الأحزاب الكردية في سوريا ، أسباب التراجع ومعالم الواقع؟

اكرم حسين

شَهدِتِ الأحزاب الكردية في سوريا تراجعاً ملحوظاً في نفوذها السياسي بين أبناء الشعب الكردي خلال السنوات الأخيرة . فقد تزامن هذا التراجع مع عزوف الشباب عن الانخراط في صفوفها، وتكلّس بنيتها التنظيمية ، وتخندقها بين أجندات إقليمية ، أثّرت على استقلاليتها وفعاليتها ، وفي ظل هذا الوضع ، تتضحُ ضرورة الحاجة  لإجراء مراجعة نقدية لمسار الحركة الكردية في سوريا ، بهدف امتلاكها لقرارها الوطني ، والاستجابة للتحدّيات المستقبلية ضمن إطار الوطنية السورية. يعكسُ هذا التراجع  أزمةً عميقةً تتجاوز العسكرة والهجرة والاقتصاد، لتشمل مسائل جوهريّة تتعلقُ بالقيادة ، والشعارات ، والواقع الموضوعي ، والانقسامات ، ووصول الأحزاب إلى درجة من الضعف والهشاشة ، لم تشهدها في أي وقت آخر .

تعاني أغلب الأحزاب الكردية في سوريا من ظاهرة “تدوير” القيادة ، وغياب البدائل، حيث تهيّمن نفس الشخصيات ، وتتكرّر نفسُ الوجوه على المناصب لفتراتٍ طويلةٍ دون تجّديدٍ فعّال، ما يشّبه ” التأبيد “. هذا الوضع ، أدى إلى ضعفِ القدرةِ على التكيّف مع التغيرات السريعة في المشهد السياسي السوري والإقليمي . فالقادة التقليديون في هذه الأحزاب غالباً ما يفتقرون إلى الفاعليةِ  ، والقدرةِ على التواصلِ مع الجماهير، وتقديمِ المبادراتِ ، وتكويّن رؤية استراتيجية ، واتخاذ قرارات جريئة تُلبي احتياجات المجتمع الكردي ، وتواكب التطورات الإقليمية ، بعيداً عن الأوهام والشعارات التي دغدغت عواطف الجماهير لفترات طويلة . العديد من الشعارات التي رفعتها الأحزاب الكردية لم تعد واقعية ، لأنها تجاوزت قدرتها الفعلية على التطبيق ، لأسباب موضوعية وإقليمية ودولية ، ما خلق شعوراً بالإحباطِ واليأسِ لدى الجماهير….!

لقد لعبت الانقسامات الداخلية ، والصراع على القيادة بين الفصائل الكردية المختلفة ، دوراً بارزاً في تفكك الحركة الكردية السورية ، ما أضعف قدرتها على تحقيق الأهداف المشتركة ، وعزّز من ضعفها وتشتتها  في مواجهة التحديات ، ولا يمكن إغفال تأثير الأجندات الإقليمية على بعض الأحزاب الكردية في سوريا، وتخندقها في المحاور الكردستانية . هذه الأجندات، رغم أنها قد تكون مدفوعة بمصالح قومية كردية ، لكنها في الغالب تتجاهل خصوصيات الواقع الكردي السوري ، وتزيد من تآكلِ قرار الأحزاب الكردية في سوريا  ،  وتُضعف الأهداف الوطنية لها  ، وتخلق فجوةً بين الشعارات وطموحات الكرد، الأمر الذي ساهم في ضعف الدعم الشعبي لها .

يعيش المواطنون في المناطق الكردية أزمات اقتصادية حادة ، تشمل الفقر والبطالة ، ونقص الخدمات الأساسية. هذه الأزمات ، تعزّز من الاستياء الشعبي ، وتقلل من التأييد للأحزاب الكردية ، و تلعب البنية التنظيمية التقليدية  في الأحزاب مع عدم قدرتها  على ابتكار أو تبني أساليب جديدة أو تقنيات حديثة لكسب الجمهور ، دوراً مهماً في عدم التكيّف مع الواقع السياسي والعسكري. في حين يعيش الشباب الكردي ، ظروفاً اقتصادية صعبة ، وأزمات معيشية مستمرة ، وهو ما يجعل بنظره الانخراط في صفوف الأحزاب السياسية امراً غير مجدياً . فالإحباط من عدم تحقيق الأهداف المعلنة ، يدفع الشباب إلى البحث عن فرص أخرى بعيداً عن الأحزاب ، بسبب عدم تلبية احتياجاتهم ، وغياب استراتيجيات فعّالة لجذبهم ومشاركتهم، وبهذا تفقدُ الأحزاب الكردية انخراط ودعم الفئات الشابة التي تعتبر حيويةً لأي حركةٍ سياسيةٍ نشطةٍ.

 يتضحُ ، من كل ذلك .  أن ضعف وتراجع دور الأحزاب الكردية في سوريا هو نتاج لمجموعة مركبة من الأزمات الذاتية والموضوعية ، الأمر الذي  ينبغي ان يدفع الأحزاب الكردية إلى  إعادة تقييم استراتيجياتها ، وتحديث بنيتها التنظيمية ، والتركيز على تحقيق أهداف واقعية تتماشى مع الوضع السياسي والإقليمي في المنطقة ، وشروط  بناء حركة كردية سورية قوية ، تتّسمُ بالمرونة والاستقلالية ، وتستعيدُ نفوذها ودورها المفقود في تحقيق تطلعات الشعب الكردي في سوريا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…