إغلاق الأجواء أمام طهران.. ضربة قاضية لنفوذ إيران المتهاوي في لبنان!

نظام مير محمدي*
 
سعت الفاشية الدينية الحاكمة في إيران لعقود إلى تحويل لبنان إلى أحد أهم معاقل نفوذها الإقليمي، وذلك عبر دعم حزب الله ماليًا وعسكريًا وأيديولوجيًا. كان خامنئي يعتبر هذا الحزب خط دفاعه الأول في المنطقة، مستغلًا إياه لتعزيز نفوذه في لبنان وفلسطين وحتى العراق. وجاءت المساعدات المالية والعسكرية والأمنية المستمرة من قِبَل خامنئي لهذا الكيان المرتزق والتابع للملالي كجزء أساسي من استراتيجيته التوسعية الهادفة إلى ضمان بقاء نظام ولاية الفقيه.
حظر الرحلات الجوية بين طهران وبيروت
بعد الهزائم المتتالية التي مُني بها حزب الله في الحرب ضد إسرائيل، اضطر إلى القبول بوقف إطلاق النار، ما جعله يفقد الكثير من هيبته ونفوذه. ومن أبرز دلائل هذا التراجع أنه، وبعد سنوات من سيطرته على المشهد السياسي اللبناني وعرقلة الاستقرار فيه، استعاد لبنان توازنه، وعادت السلطة إلى الحكومة المنتخبة.
في ظل هذا التوازن الجديد، لم يعد فيلق القدس الإرهابي قادرًا على نقل الأسلحة والذخائر والأموال إلى حزب الله عبر ممراته في سوريا، مما أجبره على اللجوء إلى الخيار الوحيد المتبقي له، وهو استخدام شركات الطيران الإيرانية.
لطالما استخدم هذا الجهاز الإرهابي مطار بيروت كوسيلة لتهريب حقائب مليئة بالدولارات إلى حزب الله، حيث يتم توجيه هذه الأموال لتمويل عملياته، وشراء الأسلحة، والحفاظ على النفوذ الإيراني في لبنان. ولكن مع تصاعد الضغوط الدولية والحاجة إلى تشديد الرقابة على حركة النقل في مطار بيروت، أعلنت الحكومة اللبنانية حظر هذه الرحلات. وقد جاء هذا القرار في وقت كان فيه مسؤولو النظام الإيراني يخططون للسفر إلى لبنان للمشاركة في مراسم جنازة حسن نصرالله.
ردود الفعل على حظر رحلات طيران “ماهان إير
قوبل قرار حظر الرحلات الجوية بين طهران وبيروت بردود فعل متباينة من قِبل الفاشية الدينية الحاكمة في إيران وميليشياتها في لبنان. حاولت قوات حزب الله إغلاق الطرق المؤدية إلى مطار بيروت لمنع تنفيذ هذا القرار، لكن الجيش اللبناني تدخّل وأعاد فتح الطرق، مما أفشل محاولة الحزب لإفشال الحظر. هذا الإخفاق يثبت أن هذه الميليشيا التابعة لخامنئي لم تَعُد قادرة على فرض سيطرتها الكاملة على الوضع في لبنان، في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية عليها.
بالتزامن مع ذلك، عبّر سفير النظام الإيراني في لبنان عن خيبته قائلًا:
الحكومة اللبنانية تسعى لإيجاد بديل للرحلات الجوية الإيرانية. نحن نرحب عمومًا بتسيير رحلات الخطوط الجوية اللبنانية إلى إيران، ولكن ليس على حساب إلغاء الرحلات الإيرانية. من المؤكد أن الحكومة اللبنانية ستوافق على هذا الطلب، بشرط ألا يكون هناك حظر على الرحلات الإيرانية بالمقابل. هذا الأمر يتعلق بالنشاط التجاري وله منطقه الخاص، حيث يسعى الركاب الإيرانيون واللبنانيون إلى السفر بأقل تكلفة ممكنة!”
التوسل للحصول على إذن بالطيران إلى بيروت
من المناسب أن نتذكر الأيام التي كان فيها خامنئي منتشيًا بانتصاراته التكتيكية وسيطرته على لبنان عبر حزب الله، حيث كان يصرّح بفخر قائلًا:
اليوم، حزب الله هو الخط الأمامي للدفاع عن الأمة الإسلامية وجميع شعوب هذه المنطقة.”
كانت جميع التكاليف المالية والعسكرية لهذا المشروع التوسعي الضخم تُغطّى من ثروات الشعب الإيراني، حيث كانت طهران توفر لحزب الله كل ما يحتاجه. وعندما فُرضت العقوبات على الحزب، أكد موقع “المنار”، التابع له، في 24 يونيو 2016، نقلًا عن حسن نصرالله:
هذه القيود لن تؤثر على وضع حزب الله، لأن جميع موارده المالية لا تأتي من البنوك، بل يتم تأمينها مباشرةً من إيران.”
وأضاف نصرالله:
هذه الأموال تصل إلينا بنفس الطريقة التي تصل بها الصواريخ التي نهدد بها إسرائيل.”
وفي مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع في ديسمبر 2017، صرّح نصرالله بكل وضوح قائلًا:
“سأتحدث بوضوح وشفافية: جميع أموالنا وميزانيتنا وأسلحتنا وصواريخنا تأتي من الجمهورية الإسلامية الإيرانية. طالما أن إيران لديها المال، فسنحصل نحن أيضاً على المال.”
تشير التطورات الأخيرة، بما في ذلك حظر الرحلات الجوية المباشرة بين طهران وبيروت، إلى انهيار استراتيجية الفاشية الدينية الحاكمة في إيران، حيث لم يعد هذا النظام قادرًا على تحقيق طموحاته التوسعية السابقة في هذا البلد العربي.
ختم على الهزائم الاستراتيجية
حظر الرحلات بين طهران وبيروت ليس سوى واحد من المؤشرات العديدة على الهزيمة الاستراتيجية التي تتكبدها الفاشية الدينية في لبنان. فالمجتمع اللبناني أصبح، أكثر من أي وقت مضى، مستاءً من تدخلات هذا النظام في شؤون بلاده، كما أن ولاء حزب الله لطهران أصبح موضع انتقاد واسع من قِبل العديد من الأوساط السياسية والشعبية.
بالإضافة إلى ذلك، لم تَعُد الحكومة اللبنانية تخضع بالكامل لنفوذ حزب الله، بل بدأت تتخذ قرارات تضر بشكل واضح بمصالح النظام الإيراني.
في ظل هذه الظروف، أصبح مستقبل نفوذ الفاشية الدينية في لبنان أكثر غموضًا من أي وقت مضى، مما يُشكّل دليلًا آخر على سلسلة الهزائم الاستراتيجية التي يُمنى بها هذا النظام في المنطقة، وخاصةً في لبنان.
*کاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ادريس عمر منذ عام 1979، ومع انتصار ما سُمّي بالثورة الإسلامية في إيران، وإسقاط الحكم الملكي، دخلت البلاد مرحلة جديدة كان يُفترض أن تحمل الحرية والعدالة والكرامة للشعب الإيراني بكل مكوّناته القومية والدينية. إلا أنّ ما جرى على أرض الواقع كان عكس ذلك تماماً. فمع وصول روح الله الخميني إلى الحكم، ثم انتقال السلطة بعد وفاته إلى علي خامنئي، ترسّخ…

صلاح عمر ما يتكشف اليوم في المشهد السوري، وبصورة أكثر خطورة في حلب، لم يعد يحتاج إلى كثير من التحليل لفهم اتجاه الريح. سلطات دمشق، ومعها فصائلها الوظيفية، تتحضّر بوضوح لهجوم جديد وواسع، هدفه اقتحام الأحياء الكردية وكسر إرادة أهلها، في محاولة قديمة بثوب جديد لإعادة إنتاج معادلة الإخضاع بالقوة. لكن ما يغيب عن حساباتهم، أو يتجاهلونه عن عمد، أن…

سمكو عمر لعلي قبل الحديث عن تطبيق القانون، لا بدّ من التذكير بحقيقة بديهية كثيراً ما يتم تجاهلها، وهي أنّ من يتصدّى لتطبيق القانون يجب أن يكون قانونياً في سلوكه، شرعياً في مصدر سلطته، ومسؤولًا في ممارساته. فالقانون ليس نصوصاً جامدة تُستَخدم متى شِئنا وتُهمَل متى تعارضت مع المصالح، بل هو منظومة أخلاقية وسياسية قبل أن يكون أداة حكم. وهنا…

شـــريف علي لم تكن رسالة الرئيس مسعود بارزاني بشأن هجوم قوات الحكومة السورية على الأحياء الكوردية في حلب – الأشرفية وشيخ مقصود – مجرد موقف تضامني أو رد فعل سريع، بل كانت إعلاناً سياسياً واضحاً بأن الوجود الكوردي في سوريا لم يعد مكشوفاً ولا متروكاً لمعادلات القوة التي تحاول دمشق فرضها، على غرار محاولاتها في الساحل السوري والسويداء. ورغم شراسة…