المناقصات في سورية الجديدة: سؤال مشروع أم أزمة ثقة؟

أحمد خليف*
 
بعد انتهاء حقبة بيت الأسد، تلوح في الأفق تحديات جديدة، حيث تواجه الإدارة السورية الجديدة انتقادات وأسئلة مشروعة من رجال الأعمال والمستثمرين السوريين، حول مدى التزامها بالشفافية في منح المشاريع والمناقصات، في وقت تنتظر فيه البلاد إعادة الإعمار والانطلاق نحو المستقبل.
يبدو أن غياب الإعلان الرسمي عن بعض المناقصات والمشاريع، وتوجيهها بطرق غير واضحة، يُثير مخاوف جدية من استمرار ممارسات قديمة كانت جزءاً من إرث الفساد والمحسوبية.
مشاريع دون إعلان رسمي: أسئلة دون إجابات
بعض المشاريع الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بالطاقات المتجددة، وتطوير البرمجيات و الأتمتة، وإعادة الإعمار، مُنحت، وفق ما يقول رجال الأعمال، دون طرح مناقصات رسمية أو إتاحة الفرصة للتنافس العادل، هذا الوضع يثير تساؤلات مشروعة:
من يمنح هذه المشاريع؟
وعلى أي أساس يتم اختيار الشركات المنفذة؟
رجال أعمال سوريون حاولوا تقديم مقترحات للحكومة، لكنهم قوبلوا بردود مفادها أن الحكومة الحالية هي حكومة تسيير أعمال، هذا الرد، رغم أنه قد يبدو مبرراً في سياق إداري، إلا أنه لا يجيب على الأسئلة الجوهرية:
إذا كانت الحكومة حكومة تسيير أعمال، فمن المسؤول عن منح هذه المشاريع؟
وهل تُمنح بناءً على الكفاءة والتنافس العادل، أم على أساس المعرفة و الصداقة؟
إحباط رجال الأعمال السوريين
رجل أعمال سوري تحدث عن الإحباط الذي يشعر به هو وزملاؤه عند سماعهم عن البدء بعدة مشاريع على عدة أصعدة دون مناقصة رسمية أو إعلان رسمي من الحكومة، فقال :
“نحن كرجال أعمال سوريين نريد العودة لبلدنا، نريد أن نستثمر ونبني، لكن عندما نرى هذه المشاريع تُمنح بشكل غير شفاف، نشعر أن بقايا آثار بيت الأسد ما زالت قائمة، وأن التغيير الذي انتظرناه قد لا يكون كما توقعنا”.
هذا الإحباط له عواقب خطيرة، حيث يؤثر على قرار الكثير من رجال الأعمال بإنهاء مشاريعهم في الخارج والعودة إلى سورية، فعندما تغيب الشفافية، يغيب معها الإيمان بإمكانية بناء اقتصاد قوي يعتمد على الكفاءة والعدالة.
من يتحمل المسؤولية؟
في ظل هذه التساؤلات، تتجه الأنظار نحو الحكومة الجديدة، التي يجب أن توضح موقفها من هذه القضايا، وتثبت التزامها بالشفافية والنزاهة، المشاريع الكبرى ليست مجرد عقود اقتصادية، بل هي بوابة لبناء الثقة بين الحكومة ورجال الأعمال السوريين، وبين الحكومة والشعب.
إذا كانت الحكومة بالفعل تعمل وفق نظام تسيير الأعمال، فمن الضروري أن يكون هناك هيئة مستقلة أو لجنة شفافة مسؤولة عن منح المشاريع الكبرى. هذه الهيئة يجب أن تعمل تحت رقابة شعبية ومؤسساتية، لضمان أن المناقصات تُمنح بناءً على معايير واضحة ومعلنة.
إرث بيت الأسد: هل ما زال قائماً؟
لا يمكن تجاهل أن بعض الممارسات التي تُرى اليوم قد تكون بقايا لإرث النظام السابق، حتى ولو كانت تصرفات فردية أو مؤسساتية، المحسوبية والفساد الذي كان متجذراً لعقود لا يمكن القضاء عليه بين ليلة وضحاها، لكن الشعب السوري، ورجال الأعمال، وكل من يؤمن بسورية الجديدة، ينتظر من الحكومة الجديدة أن تتخذ خطوات جادة لإثبات أن الماضي لن يُعاد، وأن التغيير ليس مجرد تغيير في الأسماء، بل في النهج والآليات.
ما الذي يطلبه رجال الأعمال؟
  • إعلان رسمي وشفاف للمناقصات: يجب أن تكون جميع المناقصات متاحة بشكل علني، عبر منصات إلكترونية موثوقة، مع تحديد المعايير بوضوح.
  • لجنة مستقلة للإشراف على المشاريع: لجنة تضمن أن جميع المشاريع تُمنح بناءً على الكفاءة والتنافس العادل، وتخضع لرقابة الشعب.
  • خط تواصل مباشر: يجب على الحكومة فتح خط تواصل مباشر مع رجال الأعمال عن طريق منصة رسمية، أو خط تواصل مباشر سواء عبر الأرقام أو عبر البريد الإلكتروني و تكليف لجنة تختص بتطبيق هذا الموضوع.
  • فتح حوار مع رجال الأعمال: الحكومة بحاجة إلى بناء جسور الثقة مع رجال الأعمال السوريين، من خلال عقد لقاءات منتظمة لمناقشة الأفكار والمقترحات، وإيجاد حلول مشتركة.
  • محاربة بقايا الفساد والمحسوبية: أي مظاهر للفساد يجب أن تُواجه بحزم، مع تعزيز قوانين المحاسبة والمساءلة.
الأمل في سورية الجديدة
رغم كل التحديات والانتقادات، الأمل ما زال قائماً بأن الحكومة الجديدة قادرة على تجاوز هذه العقبات، بناء سورية جديدة يحتاج إلى جهود الجميع، وخاصة رجال الأعمال الذين يمتلكون الرغبة والإمكانيات لإعادة بناء الاقتصاد الوطني.
لكن هذه الجهود لن تُثمر إلا إذا كانت الحكومة صادقة في التزامها بالشفافية، وعملت على طمأنة المستثمرين بأن المستقبل مختلف، وأن سورية الجديدة هي وطن للجميع، حيث تُدار الموارد بعدالة، وتُمنح المشاريع بناءً على الكفاءة، وليس الولاء أو العلاقات.
*عضو مؤسس في المركز السوري الاستشاري

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عمار عبد اللطيف يتحضر السوريون الأكراد للاحتفال بعيد “نوروز”، الذي يأتي هذا العام في أجواء مختلفة بعد إقراره للمرة الأولى عيداً رسمياً في البلاد، عقب عقود من منع الاحتفال به من قبل النظام المخلوع. إلا أن التغيرات التي شهدتها سوريا بعد سقوط النظام ستغيّر هذا العام وجه الاحتفال وشكله. ويترقب كثير من السوريين، ولا سيما في المناطق ذات الوجود الكردي،…

لوند حسين* يُقدَّم المطلب الكُردي في كثير من الأدبيات السياسية السائدة في الشرق الأوسط، ولاسيما أوساط الأنظمة الغاصبة (المُحتلة) لِكُردستان بوصفه تعبيراً عن نزعة «انفصالية»، غير أن هذا التوصيف يثير إشكالية مفاهيمية عميقة، إذ إن مفهوم الانفصال يُفترض وجود وحدة سياسية وطنية قائمة يسعى طرفٌ ما إلى الانفصال عنها؛ ففي الحالة الكُردية، تبدو الصورة التاريخية أكثر تعقيداً؛ فالمُطالبة الكُردية لا…

هوزان يوسف الجغرافيا الزمانية للألم والأمل لا يمثل شهر آذار في الوجدان الكردي مجرد حيزٍ زمني في تقويم السنة، بل هو “جغرافيا زمانية” استثنائية تختزل سردية شعبٍ بأكمله. في هذا الشهر، تتقاطع خطوط المأساة مع خطوط الانبعاث، ويتحول التقويم إلى سجلٍ مفتوح من الفقد والبطولة. بالنسبة للكردي، آذار ليس شهراً عادياً؛ بل…

أغيد أبو زايد للعام الخامس عشر على التوالي، يحتفل السوريون بذكرى انطلاق الثورة السورية التي تصادف في الثامن عشر من آذار من كل عام، حيث انطلقت الثورة في هذا اليوم بعد أن مرت بإرهاصات خلال الأشهر التي سبقت هذا التاريخ، مهدت الطريق أمام احتجاجات شعبية سلمية طالبت بإصلاحات واسعة، قبل أن يرفع السوريون سقف المطالب بإسقاط النظام، بعد أن…