البطيخ يقطع بالمقص

درويش محما

جنكيز تشاندار، المستشار الخاص للسياسة الخارجية لدى الرئيس الأسبق توركوت أوزال، تطرق في كتابه “قطار الرافدين السريع” إلى ضعف عبد الله أوجلان وإطلالته المخزية وهو يعرض خدماته لخاطفيه على متن الطائرة التركية التي أقلته من كينيا إلى السجون التركية، كما كتب عن الحالة اليائسة لأوجلان وخنوعه بعد اعتقاله وسجنه، وتأثير ذلك على مصداقية الرجل ومكانته، الأمر الذي دفع بالكاتب حينها، للإفصاح عن توقعه بإفلاس أوجلان وانتهاء دوره على الساحة السياسية، وبالتالي إفلاس واختفاء حزبه. لكن توقعات الرجل لم تكن في محلها، والعمال الكردستاني باقٍ ليومنا هذا ويتمدد، وعبد الله أوجلان لم يفلس وأصبح رمزاً لأتباعه ومريديه.
رغم معرفته القديمة بالكرد، واليوم أيضاً يعتبر من أقرب المقربين لهم، ويشغل منصب نائب في البرلمان التركي عن دائرة دياربكر، وعضو بارز في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المحسوب على أكراد تركيا، يبدو أن السيد تشاندار لم يسمع بعد، بقصة الكردي والبطيخ، التي أوردها ابن الجوزي في أحد كتبه، حيث يُحكى أنَّ أحد الخلفاء كان قد وصل إلى سمعه تعنت الكرد وعنادهم وتعصبهم لرأيهم، فطلب من معاونيه أن يأتوا بأحدهم، ليتأكد من حقيقة ما يقال عنهم، ورغبة في طاعته، هرع الخدم لتلبية طلبه وخدمته، وجاؤوا بكردي وبطيخ لمجلسه، وسألوا الكردي: هل يُقطع البطيخ بالسكين أم بالمقص؟ قال الكردي: بالمقص. فطلب منهم الحاكم أن ينزعوا عن الكردي ثيابه وإنزاله ببركة ماء باردة حتى رأسه، وسألوه: هل يُقطع البطيخ بالسكين أم بالمقص؟ فرد الكردي: بالمقص. فطلب منهم الحاكم بغطسه تحت الماء، وسألوه: هل يُقطع البطيخ بالسكين أم بالمقص؟ فأخرج الكردي يده من تحت الماء مشيراً بإصبعين من أصابعه يحركهما كالمقص، وبقي على هذا الحال حتى مات.
لحظة القبض على السيد أوجلان عام 1999، لا شك أنها كانت مفصلية حاسمة في تاريخ الرجل، حيث تحول فجأة لحمامة سلام، بعد أن كان رجل حرب وإقدام، ولم يكتفِ أوجلان بالإعلان عن خالص ندمه، وبالغ أسفه، وكامل اعتذاره على ما قاله وفعله، حين كان حراً طليقاً، بل أصبح بعد سجنه ملكياً أكثر من الملك، ولم ينسَ في رسالته الأخيرة لأتباعه، والتي وجهها لقيادات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، أن يعلن عن رفضه الصريح للدولة القومية الكردية، والفدرالية الكردية، والإدارة الذاتية الكردية، وحتى الحقوق الثقافية الكردية؛ السيد أوجلان على مدى ربع قرن في سجنه من خلف القضبان، كان دوماً على كامل الاستعداد للتوقيع على صك للسلام، بشروط أو بدون شروط أو حتى على البياض، والمحاولات السلمية السابقة التي جرت بينه وبين الحكومة التركية، لم تفلح ولم ترَ النور، لأنَّ الظروف لم تكن مهيأة وناضجة بعد، أما اليوم، فكل الظروف مؤاتية، والفضل يعود لرجل واحد فقط لا غير: للسيد رجب طيب أردوغان، الذي عمل خلال أكثر من عقدين، على تحويل الجمهورية التركية من جمهورية يحكمها العسكر إلى جمهورية تتحكم بها صناديق الاقتراع، ولن أبالغ وأقول هنا إن الجمهورية التركية في عهد السيد أردوغان هي قمة في الديمقراطية، لا أبداً، لكنها في أفضل أحوالها، مقارنة بكل الحقب التي مرت فيها الجمهورية التركية منذ نشأتها وليومنا هذا.
السيد هاكان فيدان وزير الخارجية التركي، صرح الرجل بدوره لوكالة الأناضول مؤخراً: “نحن بحاجة إلى التخلص من ب ك ك من أجل مصالح الأكراد، وإن ميليشيات ب ك ك لا تستهدف تركيا فقط، بل تستهدف كل دول الجوار وعلينا التخلص من هذا الفيروس معاً”.
الوزير هاكان فيدان على عكس المستشار جنكيز تشاندار، الرجل من أصول كردية ويعرف طبيعة أكراد تركيا وغير تركيا، ولأنه عمل كرئيس للاستخبارات التركية ومعروف بذكائه ونباهته، هو على معرفة وبينة تامة “بالبير وغطاه”، ولا شك أنه على اطلاع بجهل الجمهور “الأبوجي” الكردي ومدى سذاجته، ويعرف خير معرفة طبيعة هذا القسم المخدوع من الكرد، المغفل البليد والمصر على أن البطيخ يُقطع بالمقص، السيد هاكان وحكومته يعرفون هؤلاء خير معرفة، ويعلمون أن تلك الجموع ستصغي لنداء السلام الذي أطلقه زعيمهم أوجلان، هذا الجمهور الذي وصل به الأمر، اعتبار كل جملة تخرج من فم أوجلان، كلمات مقدسة ووحي يُوحى والعياذ بالله، من غير المعقول أن لا تصغي هذه الجموع المستكردة لدعواته السلمية.
الحكومة التركية بقيادة الرئيس أردوغان جادة ومصرة بالمضي قدماً بعملية السلام هذه المرة، وإذا افترضنا أن قيادات قنديل قد تتعنت وتصر على أن قطع البطيخ يتم بالمقص لا بالسكين، أعتقد أن الحكومة التركية ستستمر بعملية السلام من طرف واحد وبالاتفاق مع أوجلان وبدعم ومشاركة من حزب السلام وديمقراطية الشعوب، والذي يحظى بتأييد قوي بين أكراد تركيا، وربما من المبكر الحديث عن الإجراءات التي ستقوم بها الحكومة التركية للمضي في عملية السلام، إلا أنها ستكون على الأرجح، تغييرات دستورية تعترف بالكرد كمكون من مكونات الجمهورية التركية والاعتراف باللغة الكردية كلغة رسمية، والحق في إنشاء أحزاب سياسية كردية، وما شابه.
عملية السلام الجارية اليوم في تركيا هي لمصلحة الجميع، للكرد كل الكرد قبل الترك، وإذا استجابت قيادات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل لنداء أوجلان ودعوته للسلام، وإن جنحت للسلم ستؤكد بذلك أحقيتها وجدارتها لجائزة نوبل للسلام، مناصفة مع الرئيس التركي أردوغان، أما أوجلان باعتباره معتقلاً وسجيناً، وبالتالي يفتقد الرجل للإرادة الحرة، ولا نعرف إن كان جنوحه للسلم، نابع من القلب وعن قناعة أم بفعل فاعل وبنية الخروج من السجن، لذلك ولأسباب إنسانية، لا ضير في الإفراج عنه، أو وضعه في مكان ما تحت الإقامة الجبرية، وإذا أحس أحدكم وشعر بالغبن فلا يلوم إلا نفسه، فالتاريخ مثل القانون لا يحمي الجهلة ولا المغفلين.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…

أحمد بلال تطرح الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تساؤلات جوهرية حول مستقبل حلف الناتو، واحتمالات دخول العالم في مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الدولية. فهذه الحرب لم تندلع في فراغ، بل جاءت في سياق عالمي يشهد أزمات وصراعات ممتدة منذ سنوات، ما يجعل تأثيرها أكبر من مجرد مواجهة إقليمية. 1. جذور حلف…

حيدر عمر تمهيد. هذا البحث ليس مخصصاً لتاريخ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق (داعش)، ولكنه ذا علاقة به، وخاصة ابتداء من عام 2014، حين دخل العراقَ بقوة، و احتل الموصل بسرعة كبيرة، وأسَرَ الآلاف من الكورد الأيزيديين في سنجار،قتلَ وذبحَ أعداداً كبيرة منهم، أخذ كثيرين منهم إلى عاصمته مدينة الرقة السورية، وعرض نساءهم و بناتهم سبايا…