المبنى… والمعنى النظيف لجُمَع وهتافات الاحتجاجات السورية

عمر كوجري

ثمة اختلاف في تسمية ومَن يُسمّي أيام جمع الاحتجاجات السورية، وفي الغالب أن ذلك يخضع لاستفتاء وتصويت تقوم به “تنسيقيات الثورة السورية” أو غيرها تعاضداً على الفيس بوك، وينجح الاسم المُصوَّت عليه أكثر في نهاية الأمر، لكن هذه التسميات لا يتدخل فيها شرائح واسعة من السوريين باعتبار أن جلَّهم لا يملكون خط الانترنت، أو لم يسبحوا في بحر هذه” النعمة” بعد.

    بيد أن الأمر ربما لا يفوز بكثير اهتمام في مجال تسمية جُمع السوريين كـ “تسمية”، فما يفرّق هذا اليوم عن غيره من أيام الأسبوع أنه يأتي عادة مثقلاً بالحزن والألم وكذلك الأمل، و ما يبقى هو كم عدد الضحايا الجدد الذين تساقطوا في هذا اليوم؟ كم عدد المعتقلين؟ وكم عملية أمنية ” نوعية” نفذت على طول البلاد وعرضها؟ غير أن هذه الآلام حالياً لم تعد تقتصر على يوم الجمعة تحديداً.
 جرياً على عادة ثورة ثورات الربيع السابقة، أطلق السوريون أسماء بعينها على الجُمع التي خرجوا ومازالوا فيها يخرجون في تظاهرات، وقد يقول قائل إن الطابع الغالب لهذه التسميات فيها نوع من الحنين الإيماني والدعوي الديني، غير أن الكثير من هذه التسميات ارتبط بالتوقيت المناسباتي الذي جرت التسمية على أساسه كجمعة أطفال الحرية بُعيد مقتل الطفل حمزة الخطيب، والجمعة العظيمة تلاطفاً مع المكون المسيحي في سورية، وإيصال رسالة تفيد بأن الحراك الشعبي في سوريا ليس ديني الطابع  بل هو منفتح على جميع السوريين بمختلف مكوّناتهم الإثنية والطائفية والقومية.

والأمر نفسه ينطبق على جمعة آزادي ” الحرية” حيث تسللت هذه الكلمة الكردية لأول مرة على مسامع شريحة واسعة جداً من الشعب السوري، ولا يعرف الكثير من السوريين من اللغة الكردية غير هذه الكلمة آزادي = الحرية.
 كذلك الأمر بالنسبة لجمعة حماة الديار في دلالة لدعوة الجيش السوري الوقوف على الحياد وعدم قتل المتظاهرين، أو الانخراط مع الجماهير المنتفضة، وأيضاً جمعة الشيخ المجاهد صالح العلي قائد ثورة جبال العلويين النزاعة مع غيرها من الثورات والانتفاضات السورية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي  ضد المحتل الفرنسي.
 وكانت تسمية جمعة العشائر رغبة من القائمين بدخول العشائر السورية على خط الانتفاضة، باعتبار أن شرائح اجتماعية كثيرة في سوريا مازالت مؤمنة بموضوعة العشائر باعتبارها شكلاً ” راقياً” للتسامح والإلفة والتعاضد بين أفراد المكون العشائري.


والحديث يطول في استفاضة سبب تسمية جُمَع السوريين.
على الخط الموازي، لم يتوانَ إعلام النظام في استنفار الضيوف في الاستديوهات المركزية وفي المحافظات لإفراغ تسميات هذه الجُمع من محتواها بأي شكل” وهذا حقه الطبيعي”، وتبدّى هذا النشاط أكثر ما تبدّى في جمعة الشيخ صالح العلي، حيث أجري حديث مطول مع عدد من آل الشيخ، وصدر بيان من العائلة تستنكر استغلال اسم العلي في تسمية الجمعة باسمه، وعلى الطرف المقابل لاقت هذه التسمية امتعاضاً من آخرين رأوا أنه لو كان التفكير بتكريم المجاهدين الأوائل لكان سلطان باشا الأطرش هو الأولى بتسمية يوم الجمعة باسمه.


وتبين لهم أن العزف على هذا الوتر لا يفيد الثورة في شيء.
  كذلك حازت جمعة العشائر أيضاً على كثير من الاختلاف حتى بين الجماهير المحسوبة على الاحتجاجات، وهذا ما تبدى في مواقف المثقفين السوريين على وجه التخصيص الذين لاحظوا في هذه التسمية إهانة للمكون المدني والحضاري للشعب السوري، وأن الحنين إلى المكون العشائري ال” ما قبل الدولة الوطنية”  وهو تعبير عن  حالة الفئوية المجتمعية والنأي عن الحالة المدنية، المفترض أنها أحد أهداف الثورة في سوريا.


 حيث تمّ تخصيص يوم الجمعة للعشائر انتصاراً لمحافظة دير الزور، شرق البلاد، حيث تتركز غالبية العشائر البدوية السورية، ومازالت الثقافة العشائرية هي الطاغية هناك.
الحماية الدولية:
وفيما يخص الجمعة الأخيرة” جمعة الحماية الدولية” فقد لاقت التسمية لغطاً كبيراً بين المعارضة والموالاة أيضاً.
    فالمعارضة فشلت في إقناع الموالاة بأن قصدَها من هذه التسمية ليس دعوةً صريحة أو حتى مضمرة للتدخل الخارجي كي يأتي حلف الناتو بمعية مجلس الأمن أو دونه” بلا منية روسيا” بأساطيله وبوارجه الحربية ليدكَّ دمشق دكاً، وليقضي على النظام القائم” والشعب معاً”
وجهدت المعارضة بأن القصد من ذلك هو حماية دولية” أي إيفاد مراقبين دوليين” كي لا يقع المزيد من القتل بين صفوف المحتجين، ” هذا أمر غير معقول لأن جماعة الحماية الدولية أو المراقبين لا يتحركون إلا بقرار أممي صادر من مجلس الأمن، وأيضاً صعوبة تحركهم ومراقبتهم للأحداث هنا في ظل توتر الأوضاع راهناً، وبالتالي صعوبة حماية حياتهم”
  لم تقنع هذه الحجة الموالاة التي رأت أن ما يُسمّى بالمعارضة ،أو المعترضين بحسب بعضهم ارتهنوا قرارهم للتدخل الأجنبي، وانكشفوا وبان عريهم، أضفت على المعارضة كل الصفات لعل أبسطها الخيانة، وادّعى هؤلاء أن ما كانوا يتخوفون منه حصل، وظهرت حقيقة المعارضين أو المعترضين السوريين الذين يريدون أن يجوبوا شوارع دمشق على دبابة المحتل الأمريكي أو الأوربي مثل المعارضين العراقيين، وكأن هذه التسمية ” الحماية الدولية قد جلبت هذه الأساطيل فعلاً إلى أرض الوطن..

سوريا.
وفيما يخص الشعارات التي تطلق في المظاهرات فبإلاضافة إلى أن الكثير منها يحتوي على عناصر الفكاهة والدعابة، لكن الكثير منها أيضاً مسيء، ولا يعبّر عن ثقافة ورقي شعبي معين، فبعض هذه الهتافات مخدّش للحياء العام، وفيه من السباب والشتائم ما فيه، وهذا لا يليق بمجموعة بشرية تنشد الخلاص والحرية وما شاكلهما.
وهنا يأتي دور منسّقي هذه الاحتجاجات ومنظمي المظاهرات” المثقفين الواعين” لئلا تخرج هذه الشعارات عن الدور المطلوب منها أداؤه.


في النهاية تسميات الجُمَع وهتافات الجماهير السورية في الشوارع والمدن والبلدات السورية فيها بعض الارتباك والتسرّع، وينبغي الإسراع لتدارك هذه الأخطاء رغم كونها صغيرة مقارنة مع الأخطاء النوعية الأخرى الحمراء القانية.

   

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمدالشرف الحسيني تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى. ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي…

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…