مقتل الانتفاضة السورية

عمر كوجري

   كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن تسليح الانتفاضة السورية، ولعب الإعلام السوري بكل تصنيفاته سواء الحكومي أو شبه الحكومي أو الخاص دوراً كبيراً في هذا المجال منذ بداية الاحتجاجات التي كانت مطلبية وقتها، وفيما بعد تم رفع منسوب المطالب مع ازدياد التخبط الأمني الذي لم يتعامل مع الأحداث بوعي وعقلانية مما زاد من تعسر الموضوع، وصعوبة إيجاد مخرج حقيقي له يضمن أقل الخسائر للشعب السوري.
     رأى الإعلام السوري منذ البداية أن المتظاهرين مسلّحون، ووصفهم شتى الأوصاف، ولم ينسَ على الدوام أن يربط خروج السوريين للتظاهر بالسلاح، لا بل رسم “دوائر ومربعات” تؤكد أن قوات الأمن ولاحقاً الجيش الوطني تعاضداً مع قوات غير نظامية وصفت بالشبّيحة  والمتظاهرين السلميين هم ضحية طرف أو دائرة ثالثة، ويتعرضون للقتل من عصابات مسلّحة   وتمايلَ الإعلاميون والمحللون المحسوبون على النظام نغماً مع هذه الدعوى بدعوى براءة الفراشات والبلابل من دماء ” مئات وآلاف” العناصر من ضباط وصف ضباط الجيش والأمن.

   هذا الاتهام سرى إعلامياً لتحقيق غرضين أساسيين أولهما تبرير القتل أمام الإعلام الخارجي والدول والحكومات  بحجة أنَّ ما يتمُّ فعله ما هو إلا دفاع عن النفس، وأن المتظاهرين ليسوا أبرياء، ولا يحملون أغصان الزيتون كما يدّعون بل هم مسلحون ” بمختلف أنواع الأسلحة البنادق والرشاشات وو..

والمناظير الدقيقة” ولم ينسّ الإعلام أن يصنّف، ويصوّر سلاح البمباكشين” الفتاك” في عداد الأسلحة المتطورة “جداً” التي يحملها المتظاهرون السوريون، ويقطعون الطرقات، ويرعبون السكان، وبالتالي وجب توسُّل الأهالي لدخول الجيش والقضاء على هذه العصابات، وإعادة الأمن والأمان إلى نفوس المستنجدين.
والأمر الثاني هو إجهاض حقوق ومطالب الناس عبر الزعم أنهم ليسوا طُلّاباً للحرية والديمقراطية ونبذ سلطة الفرد، وغيرها بقدر ما هم طلاّب للكرسي وهم توّاقون لتغيير السلطة وإزاحة نظام وإحلال نظام جديد ليس بالضرورة أن يكون ديمقراطياً وعلمانياً و حضارياً ملبياً لطموحات وأحلام السوريين عامة أي ” يشط ريالهم” على الكرسي لا غيره.

وهذا ما يتمظهر في سلوك المعارضة السورية” الخارجية” على وجه التخصيص حيث عقدت أكثر من أحد عشر مؤتمراً ومحفلاً، وفشلت في توحيد كلمتها بامتياز، غير أن المنتفضين تجاوزوا ” حماس” هذه المعارضة الزائد كثيراً، بل طووا ورقتها!!
سمعنا قبل مدة بعض التصريحات الفردية” محمد رحال المقيم في السويد نموذجاً” بوجوب تسليح الانتفاضة السورية لأنّه – حسب زعمه- لا يمكن لمظاهرة أن تخرج إلى الشارع بمئات أو حتى عشرات الألوف أن تسقط نظاماً متماسكاً وقوياً كالنظام السوري، وعلى الفور استنفر إعلام النظام، وكأنه وجدَ كنزاً، وبدأت الشرائط الإخبارية لإعلامه وإعلام جيرانه من” المحاسيب” تتصدّر تصريحات الرّحّال التي لا تعبّر أبداً عن نبض وتصوّر الشارع المنتفض من أجل مستقبل سوريا السياسي عبر حلِ التسليح والعسكرة، وبالتالي خنق هذه الانتفاضة في أتون حرب تناحرية مُسلّحة بين طرفي” النظام والمعارضة” وبالتالي خسارة كلِّ المكتسبات التي تحققت للمتظاهرين على الأرض بتحويل الكفاح السلمي العفوي إلى كفاح مسلّح شرس يفقدهم كل هذا التعاضد والتضامن من جهة الأشقاء وفي الإقليم والعالم، وبالتالي إلى إفراط في زيادة فاتورة الدماء السورية التي ستُسالُ كثيراً، لأنَّ النظامَ سيردُّ بعنف شديد، وهو الذي يملك أسلحة متفوقة كثيراً على ” أسلحة المتظاهرين” وهذا ما يشرّع له القتل ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وسيكون الرقم ثلاثة آلاف قتيل سقطوا خلال ستة أشهر من عمر الاحتجاجات حصيلة يوم أو أسبوع في حال عسكرة ” الثورة السورية”  كما كتب الباحث الدكتور حمزة رستناوي قبل أيام.
بطبيعة الحال الشارع المنتفض لفظَ كلَّ هذه الإشنيات من جسمه، وقرر جهاراً أن : لا للدعوات تسليح” الثوار” والشيء الوحيد المستجد مؤخراً هو الدعوة إلى تدخل دولي عبر رفد البلد بمراقبين أشقاء ودوليين على الأرض ليتأكدوا من نظافة المنتفضين، وأنهم ليسوا عصابات ولا قتلة، وليتأكدوا من القاتل؟؟ ومن المقتول؟!
إن ما يدعو إليه رحال وغيره من تسليح ” الثوار”  لا يسمع صداه في الداخل السوري، ويعدُّ دعوات فردية لم يقتنع، ومن الأجدر ألا يقتنع به السوريون في المستقبل لأنهم سيفقدون كما أسلفنا كلّ ما تحقّقَ ماضياً، وسينفضُ كلُّ مَنْ ساندَ، ودعم هذه الانتفاضة يديه منها، بدعوى أن الانتفاضة السلمية ” المشروعة والمحقة” قد تحوّلت إلى احتراب داخلي سوري، وصار شأناً داخلياً.
  هذا التوجّه السلمي النظيف والرائع واللاعنفي للثورة السورية سيوصلها إلى مآلاتها، ويحقّق أهدافها ومراميها، وهذا السلوك الأبيض سيجبر النظام للبحث عن حلول أخرى غير الحل الأمني باعتبار أن أُكُلَهُ لم يُؤتَ، وسيزداد الضغطُ عليه خارجياً وداخلياً أيضاً لنبذ العنف، والقبول بالآخر الذي هو ليس بالقاتل ولا السفّاح بل هو مواطن سوري قلبه على الوطن كما “قلب النظام عليه”.
إن مقتل الانتفاضة السورية – كما عنونّا- هو عسكرتها وقبول تسليحها وتغيير مسارها، وأعتقد أن الصدرَ العاري يربك، ويخيف دبابة أكثر من طلقة مسدس أو بندقية حيث لن تجد هذه الطلقة طريقها لاختراق حديد الدبابة العصي ..

العصي جداً على الحوار والتفاهم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…