قراءة في واقع الوسط الكردي.. محاولة تحليل وتشخيص الملامح العامة (2)

محمد قاسم “ابن الجزيرة”
 الديمقراطية مفهوم يوناني قديم، مؤداه الحرية في الاختيار “حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه” .

هذا المفهوم ذو جذور عميقة في الثقافة الغربية منذ اليونان وما بعده، على الرغم من الانتكاسات التي حصلت في تاريخ هذه الشعوب؛ أوصلتها إلى الاستبداد المغرق كما روما مثلا… وقصة نيرون شهيرة حيث احرق روما ليستمتع بسنا اللهب الراقص والمتموج…على حساب مآسي وآلام الناس.

 لكن الجذور العميقة لمعنى الديمقراطية غلبت مرة أخرى في فرنسا، فكانت الثورة الفرنسية التي لا تزال تلهم العالم بمعاني الحرية والعدالة والمساواة..الخ.

 وأخيرا انتصرت بعد الحربين العالميتين في القرن العشرين.

فانتقل الغرب إلى ممارسة ديمقراطية –لم يدّع مفكروها أنها  النهاية-  استقرت معها الأحوال في دوله ، وعاشت شعوبها حياة ذات ملامح هادئة، وقابلية للتطور المستمر، والموفر للرفاهية، لاسيما مع تطور التقنية الهائل …
ولما للمفهوم- الديمقراطية- من جاذبية وسحر أصلا –من الناحية النظرية- ومن الناحية الواقعية بعد اطلاع الناس على تطبيقاتها عبر الفضائيات والسياحة والهجرات وعام النت ….الخ.

وقارنوا واقع الحياة معاشة في هذه البلدان، مع تجارب أخرى فقدت جاذبيتها ، خاصة بعد فشل التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي ومنظومتها …لذا أصبح الأغلب –ما عدا بعض المنتفعين أو الذين لهم أيديولوجيات بفهم مشوّش أو مشوّه..- أصبحوا يتجهون نحو تبني المفهوم ونتائجه –وربما تداعياته أيضا-.

لكن المشكلة أن الكثيرين من هؤلاء الناس–خاصة المتبوّئون مراكز إدارية –ولا أقول قيادية- في الأنظمة الحاكمة، والأحزاب المتشربة روحا سلطوية، وقطاعات مختلفة- ومتخلفة – اجتماعيا… دأبوا على إخراج المفاهيم بتفصيل يناسب مصالحهم وربما أمزجتمهم…والهروب من المنطق والموضوعية في الفهم- قصدا أو عجزا عن الفهم….- إلى إلباس المفاهيم ثوب الذاتية، وإخراجها أيديولوجيا، ليطوعوها لما يرغبون.وهذا ما هو حاصل في واقع المجتمعات المختلفة والمتخلفة…ومنها المجتمع الكوردي…والوسط الكوردي الذي نحن بصدد الحديث عن عدم التجانس فيه، وانعكاس ذلك على حراكه؛ خاصة في ظروف الأزمة –أو الثورة أو الانتفاضة السورية..القائمة.

ولئن ترجمنا ما سبق في الوسط الكوردي النشط والمتفاعل مع الظروف الراهنة، عبر قراءة لواقعه، وما يجري فيه، نلاحظ: بعض ملامح – على الأقل- تحتاج إلى الوقوف عندها، ومحاولة استقرائها، ومن ثم محاولة تحديد ما يفترض لتصحيحها، ووضعها في مسار يخدم وجودها، وحضوها، وفاعليتها، وأخيرا- لا آخرا- غاياتها…! وهذا –طبعا- غير ممكن إلا عبر تفاعل يتدرج في العمق والرقي، بحسب مصادر التفاعل هذا..ولعل المستوى الراقي- أو الأرقى- لعملية التفاعل المنتج هو:في النهج والغاية كما لدى المجتمعات المتقدمة التي امتلكت قيم التفاعل برقي .

سأذكر هنا فقط حالة –او جانبا – واحدا وهو المنهج المتبع في عملية التفاعل الحواري في الثقافة الكوردية واقعيا.-إذا صح التعبير.

ففي صفحات المواقع نجد غزارة في الحديث عن قضايا مختلفة في صورة مقال ومقال معاكس ربما.

وفي صيغة تحليل أو بيان أو تصريح أو توضيح..الخ.

فهل استطاع الناشطون في الوسط الكوردي أن يحققوا المأمول والمرجو في هذه الأنشطة؟! ولا اعني الكمال هنا..فالكمال لله وحده.

وإنما اعني، تحديد الاتجاه…النهج… المشاعر واللمسات التي تطبع أو تختفي خلف السطور…! هل استطاع هؤلاء الناشطون-أو معظمهم- سواء أكانوا حزبيين أم مستقلين أم شبابا في تنيسقية..أم…غير ذلك..

هل استطاعوا أن يوفروا –بما قالوا أو كتبوا – إضافة روح الحوار السامي والنقي إلى مساحة الحوار المفترض بين الجميع –وهم شركاء –في المغنم والمغرم في نهاية الأمر….وكل سلوك يصدر عنهم- كيفما كان سلبا أم  إيجابا- سينعكس حتما على الأجيال اللاحقة، ومن مكوناتها، أبناؤهم، وأحفادهم، وأقرباؤهم في مختلف المستويات والتجليات..؟! …… يتبع   ……………  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…