سوريا «ليست للبيع.. سوريا للعرض فقط»

عمر كوجري

   يقف السوريون والعرب ودول الإقليم والعالم مذهولين جراء الإفراط المفرط من طرف النظام لوأد الانتفاضة الشعبية المندلعة منذ أواسط آذار الماضي وإلى الآن بالحل الأمني – ومؤخراً الحسم الأمني- هذه الانتهاج الذي تسبب في إزهاق أرواح أكثر من ألفين وستمائة ” سقط أيضاً جنود ورجال أمن” شهيد سوري جلهم من الشباب الذي كان من المفترض أن يكون عنوان الإعمار والإنماء في سوريا، لو كفت يدُ وحش الرصاص الأعمى عن اللحاق بروحه لتعمل به تقتيلاً قبل الأوان، وموتاً لا مبرر له، ولن يفيد السوريين نظاماً ومعارضة، وقبلهما شعباً في شيء.
     رغم أن هذا الأسلوب الذي يخلق شرخاً كبيراً في بنيان المجتمع السوري مستقبلاً لم يؤتَ أكله، والدليل أن المظاهرات والاحتجاجات مستمرة طيلة هذه الأيام العصيبة في حياة السوريين – كل السوريين، إلا أن النظام مستمر في أسلوب القمع والتعامل مع الاحتجاجات السلمية ابتداء بالعصا الكهربائية والهراوات والقنابل المسيلة للدموع والشبيحة إلى قذائف الدبابات والمدافع التي تهتك حرمات البيوت، وتخرس الأنفاس، و”الأخطر” تدكُّ منارات بيوت الله.

 
 أخذت القوة المفرطة طابعاً مأساوياً بكل بلاغة الكلمة مع بداية شهر رمضان الفضيل حيث يفترض أن تكون له خصوصية وحرمة ورحمة، وفتح النظام حرباً رسمية ونظامية لا مبرر لها على الإطلاق تحت أي دعوى وعلى أكثر من جبهة وفي أكثر من منطقة سورية « حماة- إدلب- ديرالزور- حمص – درعا » بالتوقيت نفسه، ويسابق الزمن سباقاً محموماً لإخماد الانتفاضة الشعبية التي قال أحد” أولياء ” الله إنها في نهايتها، والتي يتهم فرسانها بـ “العصابات المسلحة والمجموعات الإرهابية والخارجين عن القانون والمندسين والسلفيين والمنادين بالإمارات الإسلامية” كم إمارة إسلامية فككت في سوريا خلال الخمسة الأشهر المنصرمة؟؟” وغيرها من النعوت التي لم ليس لها هذا المبرر ليبرر استعمال القوة بهذا الشكل”
  
لا أقتنع البتة أن العصابات والمجموعات المسلحة بهذه القوة العظيمة، هي” أين هي؟” لا تملك أسلحة ولا قنابل نتروجينية ولا نووية، ولا طائرات أسرع من الصوت حتى يتم المغامرة بزج الجيش السوري الوطني وإنهاكه وانكشاف ظهره، ورخو مناعة الحدود مع الأعداء في هذه الحرب، وتجيّش كل هذه الجيوش وأرتال الدبابات والمدافع والآليات الكثيرة بالمئات لتدك تحصينات هؤلاء”الأعداء”.
 
    لقد زُجَّ الجيش السوري الذي عاهد أن يحمي السوريين من أعدائهم الحقيقيين في حرب هي ليست حربه، وميدان هو ليس ميدانه، مما ينذر بزعزعة السلم الأمني، وبمخاطر جمة واحتقان شعبي وتجييش ثأري، والخوف كل الخوف من مخاطر نمو الحقد الطائفي في نفوس السوريين، وهم بأحوج ما يكونون إلى العيش المشترك الآمن المؤمن الذي نعموا به منذ قرون، وليس عقود.
بات كل الغيارى على سوريا يخشون الانزلاق إلى احتراب داخلي بغيض، لن يخرج منه سوري واحد منتصراً كما قلنا في سابق هذا الكلام مرةً.
   
    إيماني الشخصي كبير بوعي الشعب السوري الذي لم ينزلق إلى اللحظة لارتكاب هذا الخطأ الكبير، “ربما وجدت حالات فردية” لكنها لا تُعنْوِنُ حالة الحراك الشعبي السوري الذي بمجمله سلمي، ويطالب بسوريا أفضل وأجمل.


    بي ثقة – حتى اللحظة- أن السوري لن يحمل السلاح في وجه أخيه السوري إلا أن استمرار الحل أو الحسم الأمني يفتح الطريق – حتى لأعدائنا جميعاً لإذكاء نار الاستعداء فيما بيننا، واستمرار القتل المجاني يُشجّع على ردّات فعل عواقبها غير محمودة بتاتاً.
     بشديد الأسف كان ولا يزال فارس حل المعضل السوري هو السلاح الذي يفترض أن يستخدم عادة ضد الأعداء الألداء لا ضد الشعب الذي اشترى بحلال ماله كل هذا السلاح، وهو السلاح من العيار الثقيل والثقيل جداً.


فرغم كل هذه الدماء التي سالت وكل هذه الجراحات الواسعة على امتداد الوطن إلا أن السوريين لم، ومن الجلي لن يتوقفوا عن الإصرار الأسطوري لاستمرار خروجهم إلى حارات وساحات وأمام جوامع الوطن، ولن يكلوا، أن ييأسوا، لأن ما دفع من فاتورة الدماء والقتل والتعذيب والسجن والإخفاء هو باهظ حقاً، ومن سخا كل هذا السخاء لن يبخل الآن، ولن يتعب غداً، ورسالة الشعوب دائماً أبلغ، والتنصت إلى هذه الرسالة أجدى وأفضل من كل حلول الدم والقهر، والبكاء على الأحبة الذين يرحلون في غير الأوان.
 
   الخيار الأمني الذي يوسم تفكير النظام حالياً هو الخيار الذي يلحق الآن وغداً أفدح الخسائر بكل السوريين، والنظام يعي جيداً أن التاريخ يكره كثيراً الالتفات إلى الوراء، التاريخ سيارة، علبة سرعته لا توجد فيه ” الأنارييه” حتى يعود إلى ما قبل الخامس عشر من آذار الماضي.


   النظام بهذه الحالة يستعدي كل يوم شرائح جديدة ضده كانت في خانة الحياد أو المنتمية لفئة الأغلبية الصامتة التي لم تقرر بعد مع من تصف؟
هذا الخيار يذهب بسوريا إلى مجاهيل وظلمات لا يرضى أحد أن يتعرف عليها أو يذهب إليها.
  
   هذه مسؤولية النظام لأنه الأقوى، وهو الراعي لكل مكونات السوريين باعتباره يقودهم، ويرعاهم، هي مسؤوليته أمام الله والتاريخ.
   الاحتكام إلى منطق العقل، وسماع رسائل الأهل والجيران والأصدقاء والأغراب ليس خطأ، ولا استهانة من كرامة، ولا خضوعاً لأحد، ويبقى المستقبل المشرق لأي نظام هو أن يخدم، ويخضع لإرادة الشعب.
 الخضوع لهذه الإرادة ليس إهانة بل قمة النبل والكرامة والغيرية والشرف.
لنفكر ألا نفرّط بسوريا العزيزة، لنشترِ سوريا معاً معارضة ونظاماً، قبل أن نباع جميعاً في أسواق الآخرين بأبخس الأثمان.


ونبكي كما قال الأندلسي الغريب يوماً تحت خيمة الحزن الأخيرة مثل” النساء ملكاً  مضاعاً لم نحافظ عليه مثل الرجال”!!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مع اقتراب الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجه أنظار ملايين الناس في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى عيد عريق يحمل في طياته معاني التجدد والانبعاث. إنه نوروز، العيد الذي يحتفل به العديد من شعوب المنطقة باعتباره بداية الربيع وبداية عام جديد في الذاكرة الثقافية والحضارية. غير أن لهذا العيد معنى أعمق وأكثر خصوصية لدى الشعب الكوردي،…

خالد حسو تشكل المواقف الإيجابية الصادرة من الأفراد والشخصيات العربية وغير العربية، والجهات الرسمية وغير الرسمية تجاه القضية الكوردية والشعب الكوردي مؤشراً أساسياً على إمكانية بناء حوار سياسي مسؤول ومستدام. كل خطوة إيجابية، مهما كانت محدودة، تُسهم في تعزيز التفاؤل وتبث روح الأمل بين جميع المكونات، وترسخ مفهوم الشراكة الوطنية القائمة على العدالة والحقوق المتبادلة. هذه المواقف تعكس إدراكاً مشتركاً…

اكرم حسين في تاريخ الشعوب والثورات، هناك رموز تتجاوز أدوارها السياسية المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسار الوعي الجمعي ، ومن بين هذه الرموز، يبرز اسم الشهيد مشعل التمو كحالة إشكالية تتحدى القراءات الاختزالية، وتضعنا أمام ضرورة تفكيك العلاقة بين القومي والوطني، الهوية والمواطنة، المشروع السياسي والعمق الوجودي. استحضار مشعل التمو اليوم يضعنا أمام مسؤولية كبرى ، إما أن…

عبداللطيف محمدأمين موسى في خضم زيادة منحى الصراع وتعدد مساراتها، تبقى وتيرة الصراع العسكري مرشحة للتوجه والاتساع نحو مزيداً من التعقيد، من خلال زيادة التوقعات واحتماليات اتساع الصراع لتشمل بلورة تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لتأمين ممرات مرور الطاقة في مضيق هرمز، وكما تُشير أغلب التوقعات لدى مراكز الدراسات المتعلقة بالأمن القومي في زيادة احتمالات توجه الولايات المتحدة الأمريكية…