السوريون يخرجون إلى .. الحياة

عمر كوجري

وخرج السوريون هذه الجمعة أيضاً كما كان مؤملاً منهم الخروج، وفاء للينابيع التي اصطبغت بأحمر اللون من أقصى الشمال إلى أقصى خاصرة الجنوب، فمن تنكر لروعة الينبوع ونقاء سريرته حكم على نفسه بالصدي والعطش، والينابيع الجميلة هي التي تستيقظ كثيراً، وتوقظ العطاشى من موتهم، وبهوت أيامهم.

بهذا الخروج المتوقع تماماً، أكمل السوريون مئة وعشرين يوماً عاصفاً في حياتهم، أيامٌ غيرت أشياء في دفاتر أعمارهم، فكل ذرة من تراب سورية أصابها التغيير، حتى الشجر العتيق الذي عمرُه بعمر سورية الكينونة والوجود تخلى عن لحائه القديم، ونوى مثله مثل العرسان الضاجين بالفحولة والشباب أن يرتدي ثوباً ترابياً آخر.
 تغيّر السوريون، وصاروا ” يسمعون صدى أصواتهم لأول مرة” وهم يحلفون بأغلظ الإيمان، أنهم هم ما صدقوا أنفسهم أبداً، وما توقعوا أن يبتلوا بداء التغيير، تغيير المبنى والمعنى يوماً، ربما تيقنوا أنهم بحاجة لأنهار كثيرة حتى تتهيأ أرواحهم لاستقبال يوم جديد، ويتخلصوا من الدرن العالق حول شفاههم.

 يوم لا خوفَ ولا وجلَ ولا توجسَ فيه، يوم باعث للقلق الأبي، وليس القلق الصادم الكتوم، الكابح، يومٌ طاردٌ للنوم في المآقي، يوم أحمر أحمر، ويقول بعض السوريين في قرارة أنفسهم، وفي أحيان كثيرة جهاراً وفي وسط الشارع: يا ليته ما أتى!! أو يا ليته جاء أبكر من اليوم!!
 في لحظة بيضاء أو حمراء قرروا أن يحملوا صخرتهم، ويتوجهوا نحو ذرا الجبال..

الجبال التي حسدت قامات السوريين التي ما انحنت رغم الكلفة الباهظة، بل يوماً فيوم تتورد وجناتهم، وتتجمل أغانيهم، وترقص عيونهم للنجمة الباذخة، وللقمر الذي ودّع المرض والاصفرار والدجى، قمرٌ يغني مواويل العشق..

لهم للعاشقين الآبدين، رغم الآلام التي لحقت به طيلة أربعة أشهر أو أربعة قرون، لم يعد الزمن مهماً وذا إيقاع في رتابة حياة هؤلاء، لم يعد يحمل كل هذه الإشراقة بعد طول غياب وتغييب.
 
رتابة الحياة، الخوف من الصديق أو حتى الشقيق، أو الخوف من الحيطان والشارع والأشجار الواقفة، ونسمات الهواء والشروق والغروب، وتصوُّر أن كل المحيط هو إما مخبر أو مشروع مخبر، ” هسسسسسسسسس، اسكتوا وطوا صوتكم للحيطان آدان”
هذا الخوف، هذه المصطلح الحوشي والقذر انهارت جدرانه، وتهدمت قلاعه، ولم هذا الكائن السوري خائفاً لأن تعوّد عينيه، وتعوّد أصابعه من تلمّس لزوجة الأحمر قتل الخوف في قلبه.
رغم معرفة الذين يخرجون في كل يوم وليلة أن ثمن الخروج باهظ، يتأنق السوري، يحلق ذقنه، يرتدي أجمل الثياب، يتعطر، وكأنه ذاهب إلى موعد الغرام مع المحبوبة التي قصفت الظروف بحضورهما، فغاب قلباهما عن العناق عنوة لدهور سحيقة، وصارا لا يكحلان العيون إلا بعد طول ترمُّد ودموع بعد أن خلت الدار من الأهل والخلان.
البارحة خرج السوريون دون أن يؤازر خروجهم أية جهة “معادية- متآمرة”، أو تحمي ظهورهم المكشوفة لإخوتهم ” الأشقاء” من أصلاب آبائهم وأمهاتهم، ودون أن تلعب مصالح أي دول تشجيعاً لهم ليخرجوا.
 هل السوريون خفيفو عقل حتى يستمعوا لهذه الجهة وتلك؟؟ ويعلمون أن الخروج ربما تأمّن على القدمين الواثقتين، لكن العودة ربما تحققت إلى المنزل ولقاء الأم أو الأولاد أو الحبيبة ولكن على الأكف التي تغتلي ناراً، وهي ترى الثقوب الدافقة ينبوعاً أحمر وهو أو وهي تروي عروق الجسد المسجى، أو الأرض المسجاة!!
خرجوا دون أن يستمعوا لنصائح سيد الجامعة الجديد، ولا عداه من السادة التي كثرت هذه الأيام، من المنابر ومحابر المحللين ” الفرسان” ومن مقابر الإخوة..

الأعداء.


أيها الشعب الخارج من منزله ليقارع الموت، وينتصر عليه، أيها السوري المطيّب بالعطر قبل قليل، والمطيب بزكي الدماء بعد قليل…
أيها السوري العظيم، كم ربيعاً يحلم أن تكون عنوان ديوان شعره وقصائده الخضراء النازفة؟؟
كم أفتخر بسوريتي الآن أكثر من أي وقت!!!
كم أنا عظيم، أنا السوري من عين ديوار وحتى درعا المحطة!!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نورالدين عمر تتصاعد في الآونة الأخيرة أصوات بعض الناشطين والمثقفين المطالبة بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من اتفاقية 10 آذار، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: ما هو البديل الواقعي؟ إن الاندفاع نحو الانسحاب في ظل هذه الظروف المعقدة يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، منها: ماذا لو تحالفت السلطة في دمشق مع أنقرة لشن هجوم منسق على مناطق شمال…

هجار أمين في أروقة السياسة الكردية في أربيل ودمشق والقامشلي، تتناقل الأوساط السياسية أحاديث عن فصل جديد يُكتب في ملف كرد سوريا، فالرئيس مسعود بارزاني، بثقله التاريخي وخبرته الدبلوماسية، يبدو جاهزاً لقيادة مرحلة دقيقة وحاسمة، قد تُعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة. في قاعة مفترضة، تجلس وفود ثلاثة: ممثلون لسلطة دمشق بوجوه محنكة، تحمل ورقة “الوحدة الترابية” كشماعة لكل حديث. ومقابلهم،…

د. محمود عباس   في سوريا اليوم، لا يعود قصر الشعب مجرد مقرّ حكم أو رمز سيادي، بل يتحول إلى مرآة مكثّفة لانهيار فكرة الدولة نفسها. فهذا القصر، حيث يقيم الرئيس أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني، يقوم فوق أرض رخوة من الشرعية المؤجلة، لا لأنه نتاج انتقال ديمقراطي، بل لأنه ثمرة تسوية دولية هشّة مع تنظيم كان،…

سيروان بركو   قرار قناة شمس بعدم بث اللقاء المسجّل مع رئيس سوريا في المرحلة الإنتقالية، أحمد الشرع، ليس تفصيلاً تقنياً ولا مزاجياً، بل موقف سياسي وإعلامي له وزنه وسياقه. قناة شمس هي قناة الرئيس مسعود بارزاني، والرئيس بارزاني يلعب اليوم دوراً محورياً في البحث عن حلول عادلة للكرد في سوريا الجديدة، وفي محاولة تجنيبهم مزيداً من الخسائر في مرحلة…