حوار «الصحارى» وطغيان اللون الواحد

عمر كوجري

لا نملك الحق في نعت من التقى في ” اللقاء التشاوري للحوار الوطني” بأنه حايد عن الركب أو السير في الطريق الذي اختطه الشعب السوري، وعبّده بدماء شهدائه، ودموع الأرامل والثكالى، هذه الدماء التي أزهرت نجوماً في سماء الوطن، وأصبحت دليلاً للشعب الذي يجد طريقه الآن، ويبحث عن حياة أمثل.
فبعضُ مَنْ شاركَ في ذلك اللقاء لا يمكنُ الشكَّ بوفائه لدماء الشهداء، لكنه رأى أن مشاركته في اللقاء ربما كان مفيداً، ويفضي إلى فتح طاقة في جدار النظام المغلق والعالي منذ عقود،
ولعل شيئاً من هذا حصل حين تفاجأ السوريون وعلى أثير الهواء، ولأول مرة في حياتهم كلمات حديثة كل الحداثة على آذانهم من قبيل” الدولة الأمنية وضرورة تفكيكها، وتدخل الأمن في حياة الناس وضرورة إبعاد الأجهزة الأمنية من حياة السوريين، والمطالبة الجهارية بإطلاق سراح الآلاف من السجناء وموقوفي الرأي، ومعرفة مصير الآلاف من المغيبين في السجون أو الذين غيّبهم الموتُ، وضرورة تعديل أو إلغاء المادة الثامنة من الدستور الذي ينصُّ باستفراد حزب البعث في قيادة الدولة والمجتمع حتى في ظل وجود الجبهة الشكلي والواجهي والبريستيجي جداً..
 لكن، ما تبدَّى من خلال البدء باللقاء التشاوري، وحتى قراءة البيان الختامي أن ضيوف فندق” صحارى” الفخم والتابع للعمال اسماً، ولغيرهم بالطبع شكلاً وديكوراً، كانوا من أهل البيت، يعني “أهلية محلية”، إذ كانت الأغلبية الساحقة من أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث وكوادره المتقدمة، وكذلك من قياديي وكوادر الجبهة الوطنية التي لا حول لها ولا قوة غير تأييد الحزب في جميع قراراته، ووقّع على وفاته بيديه حين وافق على الدخول في جبهة البعث، إضافة إلى لفيف واضح من بعض الممثلين الذين ارتهنوا، ووافقوا على أن السوريين الذين يخرجون إلى الشوارع، ويتظاهرون ما هم سوى بيادق يحرّكهم الغرب والجهات المعادية للوطن، بل أن بعض هؤلاء “النموس” اقترح أن يعادَ النظرُ في إلغاء قانون الطوارئ، “وكأن المواطنين السوريين قد تلمسوا إلغاءً لهذا القانون” وصدّق هؤلاء” الفنانون” إعلام النظام الرسمي وغير الرسمي الذي أباح، وحلّلَ دماء السوريين، وجيّش الجيش والشعب والأمن والشبيحة على المتظاهرين، وأسبغَ على الانتفاضة ورجالاتها صبغة المندسين والطائفيين والعصابات المسلحة، وربطت إرادة الشعب السوري في التغيير بالإرادات الدولية، والمؤامرات الخارجية التي تستهدف” النيل من صمود سورية بلد ” المقاومة والممانعة”
وكان نائب الرئيس واضحاً في افتتاح اللقاء حين ألمح هذا اللقاء ليس فيه منةٌ لأحد على أحد، ولا يعتبر تنازلاً من الحكومة للشعب، وعرّجَ أيضاً على صعوبة الحوار والتحاور وخاصة في هذا الظرف العصيب الذي تمر به سوريا، ورأى أن الحوار ليس بالأمر البسيط، وحاول أن يرسل رسالة للمعارضة بضرورة القبول بالممكن والجود بالموجود حالياً، وما توفر اليوم من مرونة “واضحة” للنظام تجاه المعارضة قد لا يكون في حكم التوفير والتوفر غداً.
بطبيعة الحال، المعارضة استنكفت وكان لها أسبابها، وعللتها بانتفاء النيات الصافية من النظام، خصوصاً أن الدماء السورية الغالية جداً تسيل في الشوارع، وثمة من يقتل السوريين بدم بارد دون أن يرفَّ له جفنٌ، أو يخفقَ قلبُهُ خوفاً من عقاب، أو محاكمة، وتدكٌّ المدن والأرياف السورية بالدبابات والمدافع، وتقتحم من الأمن والشبيحة والجيش” 
الجيش الذي يفترض أن يعود إلى ثكناته وقطعاته، ويشحمَ من جديد أسلحته وسبطانات دباباته استعداداً لمعركة الوجود أو الحياة مع العدو الذي هو خلف الحدود، وليس داخل المدن والأرياف السورية.
النظام فرض شكل الحوار الذي أراده، وأدار هذا الحوار مع ذاته، حتى أنه فصَّل في تعريفه للمعارضة بالقول إ ن كل من لم يشارك في اللقاء التشاوري لا يمثل معارضة إيجابية بل معارضة سلبية، في إشارة واضحة أن ” الصحارى ” القادمة ربما لن تتسع لشغب وغنج أولاء المعارضين المستنكفين.


واعتبر العديد من الكتبة القريبين من تخوم النظام أن هذا اللقاء هو لحظة تاريخية تؤسس لمرحلة جديدة في حياة سوريا الحديثة..

اجتمع فيها من يؤمن بضرورة التغيير إلى الأفضل،   ‏
 
 ودعا بعض هؤلاء إلى عدم الصفح عن ” أولئك”  الذين قطعوا أوصال” الشعب” وعلقوا أجساد” جيش الشعب” في المسالخ وعلى أعمدة الكهرباء..

ومُثلوا بجثثهم أمام كاميرا الهواتف الخلوية لتكون مادة لفضائيات الفتنة!!! وتحدثوا عن” أزمة عبرت، أثبتت أن الشعب العربي السوري تحول إلى حزب واحد وتنظيم واحد وجسد واحد”
يبدو أن الكاتب المقتبس منه الكلام مازال يحنُّ إلى الحزب الواحد الأوحد، ولا يصدق أنه يعيش على هذه الأرض الطيبة ومنذ آلاف السنين أقوام أخرى غير العرب!!
 ومع هذا يتحدثون عن اتساع للوطن ولصدر الوطن الذي يتسع لجميع مكونات الشعب السوري بعربه وكرده وآشورييه وسريانه وأرمنه وتركمانه وووو    
 إذاً: النقطة الأولى من البيان الختامي كانت “إن الحوار هو الطريق الوحيد الذي يوصل البلاد إلى إنهاء الأزمة، والتسامح قيمة مثلى للخروج من الوضع الدقيق السائد، والمعارضة الوطنية جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني السوري.


لكن، هل يستقيم هذا الكلام مع منطق الدبابة التي لا تجيد غير القتل والتخويف، والرعب؟؟
الآن آلاف الدبابات تصول، وتجول في مختلف المدن والأرياف السورية، ومكانها الحقيقي – نعود ونقول- خارج الحدود.


الحوار بحاجة لشروط أفضل من الشروط الحالية، أما كيف تتحقق هذه الشروط، ومتى تتوفر؟؟ وهل مازال للوقت بقية؟؟؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مع اقتراب الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجه أنظار ملايين الناس في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى عيد عريق يحمل في طياته معاني التجدد والانبعاث. إنه نوروز، العيد الذي يحتفل به العديد من شعوب المنطقة باعتباره بداية الربيع وبداية عام جديد في الذاكرة الثقافية والحضارية. غير أن لهذا العيد معنى أعمق وأكثر خصوصية لدى الشعب الكوردي،…

خالد حسو تشكل المواقف الإيجابية الصادرة من الأفراد والشخصيات العربية وغير العربية، والجهات الرسمية وغير الرسمية تجاه القضية الكوردية والشعب الكوردي مؤشراً أساسياً على إمكانية بناء حوار سياسي مسؤول ومستدام. كل خطوة إيجابية، مهما كانت محدودة، تُسهم في تعزيز التفاؤل وتبث روح الأمل بين جميع المكونات، وترسخ مفهوم الشراكة الوطنية القائمة على العدالة والحقوق المتبادلة. هذه المواقف تعكس إدراكاً مشتركاً…

اكرم حسين في تاريخ الشعوب والثورات، هناك رموز تتجاوز أدوارها السياسية المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسار الوعي الجمعي ، ومن بين هذه الرموز، يبرز اسم الشهيد مشعل التمو كحالة إشكالية تتحدى القراءات الاختزالية، وتضعنا أمام ضرورة تفكيك العلاقة بين القومي والوطني، الهوية والمواطنة، المشروع السياسي والعمق الوجودي. استحضار مشعل التمو اليوم يضعنا أمام مسؤولية كبرى ، إما أن…

عبداللطيف محمدأمين موسى في خضم زيادة منحى الصراع وتعدد مساراتها، تبقى وتيرة الصراع العسكري مرشحة للتوجه والاتساع نحو مزيداً من التعقيد، من خلال زيادة التوقعات واحتماليات اتساع الصراع لتشمل بلورة تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لتأمين ممرات مرور الطاقة في مضيق هرمز، وكما تُشير أغلب التوقعات لدى مراكز الدراسات المتعلقة بالأمن القومي في زيادة احتمالات توجه الولايات المتحدة الأمريكية…