لماذا لم تذهب المعارضة إلى اللقاء التشاوري في دمشق؟

فايز سارة

ينعقد اللقاء التشاوري الذي تنظمه هيئة الحوار الوطني السورية في دمشق اليوم بمن حضر، وسط غياب لجماعات المعارضة السورية وللشخصيات الوطنية المحسوبة عليها، في خطوة بدا أنها منسقة ومتفق عليها، ولو أن أمرا بهذا الاتجاه لم يتم بحثه أساسا، مما يؤكد أن إجماع المعارضين موصول بموقف بدا أنه بديهي ومتوافق عليه بصورة ضمنية.
وعلى الرغم من أن ثمة تفاصيل أخرى، فإن السبب الرئيس لمقاطعة اللقاء والحوار تاليا، يتمثل في عدم قيام السلطات بتوفير بيئة مناسبة للحوار، كان المعارضون وجماعاتهم السياسية، أكدوا ضرورة توفيرها من أجل بدء الحوار جدي بين السلطة والمعارضة، وأهم ملامح بيئة الحوار، تتجسد في سحب قوات الجيش من مناطق انتشاره الحالية، وإعادته إلى مواقعه ولا سيما على خط وقف إطلاق النار مع القوات الإسرائيلية،
وكذلك سحب القوى الأمنية وإعادتها إلى مراكزها، وإطلاق سراح المعتقلين وسجناء الرأي والموقوفين على خلفية الأحداث والمظاهرات دون استثناء، والسماح بالتظاهر الآمن والمحروس للجمهور، ومحاسبة المسؤولين عن عمليات قتل السوريين وإحالتهم أمام القضاء، لينالوا الجزاء العادل.
وكما هو واضح، فإن توفير بيئة الحوار، التي طالب بها المعارضون أساسا لبدء الحوار، كانت تؤشر إلى وقف مسار الحل الأمني – العسكري للأزمة الراهنة، والتوجه نحو حل سياسي يمثل الحوار أحد أهم ملامحه، خاصة أن الحوار يتطلب تحديدات، تشمل تحديد المشاركين في الحوار بما في ذلك دعوة ممثلين للمحتجين والمتظاهرين، وتدقيق برنامج الحوار في الجانبين الموضوعي والزمني، وتحديد الهدف النهائي لعملية الحوار، الذي لا بد أن يؤكد ضرورة الانتقال من النظام الأمني الاستبدادي إلى النظام الديمقراطي التعددي.
وعلى الرغم من إلحاح وتأكيد المعارضين، الذين التقوا مسؤولين سوريين في مراحل مختلفة ما بين أوائل أبريل (نيسان) والأسبوع الماضي، ضرورة توفير بيئة الحوار بإجراءاتها العملية وربطها بحزمة القوانين التي جرى إصدار بعضها، بينما جزء آخر تحت الإصدار – فإن السلطات السورية، لم تذهب باتجاه توفير بيئة الحوار، بل إن خطواتها في مجال إصدار القوانين التي تساعد في معالجة الأزمة مثل قانون رفع حالة الطوارئ، لم تجد لها تطبيقا عمليا، الأمر الذي جعل السوريين لا يميزون بين العيش في ظل حالة الطوارئ وفي حالة رفعها، وقد تجاهلت السلطات السورية ما كان مطلوبا منها كأساس لبيئة الحوار، وأمعنت في مسار الحل الأمني فأضافت إلى عمليات إطلاق النار توسيع دائرة حصار واقتحام المدن والقرى وتوسيع عمليات الاعتقال ومطاردة النشطاء.
لقد أضافت تلك السياسة في معالجة الأزمة بعدا جديدا إلى موضوع الحوار.

فبعد أن كانت المظاهرات وحركة الاحتجاج لا ترفض فكرة الحوار في معالجة الأزمة، فإنها دخلت على خط الرفض نتيجة تطورات كان بينها توسيع حدود القمع الدموي وخاصة في ضوء ما حدث في الرستن وجسر الشغور وقبلها في درعا وريف دمشق وتلكلخ، وهي عمليات أدت إلى جانب نتائج أخرى إلى تهجير آلاف السوريين وعائلاتهم، وخصوصا نحو لبنان وتركيا في أول سابقة لها، مما جعل الحوار أبعد، بل جعله في مستوى الارتكابات من جانب المتظاهرين والمحتجين.
لقد تغيرت الأجواء المحيطة بعملية الحوار في واقعها السوري الراهن، والأساس في هذا التغيير ناتج عن السياسات والممارسات الجاري تنفيذها، وبصورة عملية يمكن القول، إن هذه السياسات والممارسات دفعت الشارع للضغط على المعارضة في الاتجاه نحو رفض المشاركة في اللقاء التشاوري وبالتالي رفض المشاركة في الحوار إذا عقدت جلساته، خاصة بعد أن جرى إعلان الجمعة الأخيرة باعتبارها «جمعة لا للحوار».
إن الحوار باعتباره طريقا لمعالجة الأزمة، التي تعيشها سوريا، هو طريق مبدئي بالنسبة لأغلبية الجماعات والشخصيات السياسية في المعارضة السورية، بل يمكن القول، إن طريق الحوار قضية مبدئية راهنا ومستقبلا بالنسبة لأغلبية السوريين، والرفض الحالي لا يمثل تحولا جوهريا في موقف السوريين من الحوار، بل هو تعبير عن رفض سياسة السلطات وممارساتها في الموضوع من حيث عدم استجابتها لتوفير بيئة الحوار من جهة، ولعدم تحديدها لما يحيط بالحوار من مضامين وتفاصيل، وتركه فكرة عائمة، يجري تناولها بصورة كيفية وغير منظمة، ولعل الأهم في ذلك إحساس كثير من السوريين، بأن فكرة الحوار بالصورة التي تطرحها هيئة الحوار، ليس هدفها البحث في الأزمة السورية ووضع حلول ومعالجات لها، أو وضع اقتراحات وتصورات تخصها بمقدار ما يمكن أن تحمله الفكرة من رسائل للخارج، تؤكد أن السلطات السورية تسعى إلى الحوار مع السوريين والمعارضين منهم لمعالجة الوضع بغض النظر عن الوقائع والنتائج.
لقد عبر معارضون سوريون ينتمي بعضهم إلى أحزاب وآخرون من شخصيات مستقلة عن اعتقادهم أن غياب المعارضة عن الحوار جعل السلطات السورية تضيع فرصة ثمينة، كان يمكن من خلالها وضع تصورات تساهم في إخراج سوريا من أزمتها.

غير أن المعارضين السوريين منقسمون اليوم حول ما إذا كان من الممكن فتح باب للحوار السوري مجددا لتحقيق تلك الغاية، أو أن باب التطورات في البلاد جرى فتحه على المجهول بكل ما في المجهول من مخاوف الصراعات الداخلية أو التدخلات الخارجية، وكلاهما خيار هو الأبعد عن اهتمامات السوريين وطموحاتهم.
* معارض سوري

الشرق الاوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…