فلافـل و مي و شوية حشيش

حسين جلبي
jelebi@hotmail.de

منذ ثلاثة أشهر تنهال على رؤوسنا قصص و روايات ما أنزل الله بها من سلطان مصدرها أتباع النظام السوري.

لقد أصبح الكل أعضاء في منظمة صندوق عجائب (الدنيا)، تحركهم أصابع خفية، أو يكتبون سيناريوهات خيالية بأنفسهم، و يقدمون في مختلف الأحوال قصصاً غير مألوفة للمتابع.

العملية في المحصلة، ربما بسبب الطفرة السابقة للدراما السورية و ما ترتب على ذلك من رفع سقف التوقعات، ليست سوى نوادر و فكاهات من الدرجة العاشرة، تفتقد عنصر التشويق، و لا يمكن أخذها على محمل الجد، اللهم إلا على سبيل التندر على مروجيها، الذين يرسمون اليوم معالم الهوليوود السوري المهلهل.
لم نكن إذاً كمشاهدين لنتخيل في يومٍ من الأيام هذا الإنحدار في اللغة التبريرية لإسالة شلالات الدم، و لم يكن خيالنا ليتسع مهما أوتي من واسعَ أفق لهذا العنف كله، فالجرائم على مدار الساعة، و التفسيرات و الفبركات، على وقع خرير الدماء المتدفقة، لا تلامس حتى لون الدم.
سلسلة لا تنتهي من القصص، أطول من علم المزة و أعلى من تمثال حماة، يرويها الرسميون السوريون من مختلف المستويات قبل أن يلفلفوا القصة (العلم) و يضعوها (كالتمثال) على عربة شحن، لينقلوها إلى مستودع مظلم، و لينتقلوا إلى غيرها في سباقٍ محموم للتشتيت و محاولة البدء مجدداً بسرد رواية جديدة.
و لعل باكورة القصص السورية، و المركز الذي بقيت تدور حوله كل القصص، و في ذات الوقت أضعف ما أخرجته كل المستويات السورية على الأطلاق هي قصة العصابات المسلحة و ما تفرع عنها، فمشكلة هذه القصة كملحقاتها هي تعدد التفسيرات بتعدد المفسرين، و هنا لا بد من ذكر رواية النزوح السوري إلى تركيا فراراً من بطش النظام كمثال، فقد فُسر في البداية على أنه زيارة إلى الأقارب و تحديداً إلى (الماما)، ثم جاء من يقول بأن المسلحين قد أجبروا النازحين على الفرار لخلق ضجة إعلامية، في حين أن هناك من خرج أخيراً ليقول بأن النازحين ليسوا سوى عوائل المسلحين، مع العلم أن باب التفسيرات لا زال مفتوحاً على مصراعيه، يستطيع المرء أن يدلو بدلوه و يقول ما يشاء فيه، عدا عن كون المسألة متعلقة ببطش النظام.
آخر ما توصل إليه النظام لتفسير الثورة السورية هو ما صرح به الرفيق المناضل سعيد بخيتان من أن المتظاهرين يخرجون من أجل صندويشة فلافل و زجاجة مياه بقين، إضافةً إلى حبوب الهلوسة و المخدرات المحفزة للتظاهر ضد النظام.
التبسيط الذي يسوق له بخيتان يدفعنا للقول من جهتنا بأن المؤامرة التي يروج النظام لوجودها هي مؤامرة داخلية صرفة و ليست خارجية طالما أن أدواتها ليست الكنتاكي و الكولا كما كانت عليه ثورة مصر، و هي دليل أيضاً على تواضع طلبات الثوار السوريين و إمكانية الإستجابة لها بسهولة، فبدلاً من قصف المتظاهرين بقذائف الدبابات و رشهم بالغازات المسيلة للدموع، يمكن فض الإحتجاجات بقصف المحتجين بأقراص الفلافل و رشهم بالمياه المعدنية، كل ما يتطلبه الأمر هو أن تقوم معامل وزارة الدفاع بإنتاج الفلافل بدلاً من القذائف، و بالنهاية إنشاء وزارة لشؤون الفلافل.
قد يقول قائل أن القمع بالفلافل سببٌ أقوى لخروج الناس، نعم لا بأس في ذلك طالما أن ذلك تكتيكٌ مؤقت يحافظ على اللحمة الوطنية طازجة.
المشكلة هي فقط في تركيبة حبوب الهلوسة التي تدفع المتظاهرين في سوريا، كما في ليبيا و في مصر سابقاً، للخروج على الحاكم و ليس معه، هذه الحبوب يصعب إستبعاد كونها مؤامرة خارجية، فقط لو تتمكن معامل حزب الرفيق بخيتان من إنتاج نوع وطني منها أو تغير تركيبتها على الأقل، لتغيير المعطيات على الأرض.


بعد نصف قرن من ترويج المناضل بخيتان لمُخـدر النضال ضد الأمبريالية و الصهيونية و الرجعية و الإقطاع، و لمشروبات الوحدة و الحرية و الإشتراكية الغازية، و لأطباق الصمود و التصدي و المقاومة و الممانعة اللذيذة، أستيقظ الناس فجأة ليجدوا أن قرص الفلافل و رشفة المياه و ذرة الأوكسجين قد أصبحت جميعها حلماً بعيداً المنال، يستوجب القيام بثورة.

اليوم يبدو واضحاً أن بخيتان قد أضاع كلا بختيه خلال نصف قرن و لم يعد ممكناً أن يقوم الشعب السوري بمنحه فرصةً أخرى، إعادة إنتاج مخدرات النضال و تسويقها أصبحت مستحيلة، ليس بسبب أن الشعب عرف طريق الفلافل و المياه النظيفة فقط، بل لأنه أصبح بخروجه يستنشق هواءً نظيفاً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمدالشرف الحسيني تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى. ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي…

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…