تلفزيون الدنيا.. ما يطلبه المخابرات السورية

  باهوز حسين

هي الحكاية نفسها التي نتلقاها كل لحظة من فضائيات الإعلام الرسمي السوري والذي يتحفنا بأكاذيبه وتلاعباته بالعقل الإنساني وإيصاله إياه إلى رحلة من الجمود في الفكر والمفاهيم الثورية، إلى مرحلة من الارتياح النفسي في القلب والعقل وتطبيق المقولة الوجودية التي تقول: المعرفة ألم والجهل نعمة.
فمن هذه النقطة تنطلق “قناة الدنيا” التي تعنون نفسها بأنها “صوت الناس وصورة الحياة”، لكن المتتبع ليس الذكي فحسب بل المتتبع العادي سيلاحظ هذا الرياء الإعلامي الذي لم يعد ينطلي على أحد، وفي خطوة من هذه القناة التي لم تستطع أن تخفي ولاءها للحكومة السورية وعلى الأخص الأمن كحال معظم الإذاعات والصحف والمجلات السورية المتخصصة، أصبحت تقول وبكل صراحة ما لا يُقال على أهميته.
فـ”قناة الدنيا” تظهر بين الفينة والأخرى مقاطع تحرّف مسار الثورة السورية في محاولة منها لوضع العقل السوري في ثلاجة الجهل، ومن هذه الخطوات التخطيط والتنفيذ لحملة إعلامية ضدّ الحكومة القطرية، وتلفيقها أكاذيب عن عدد متصفحي ثورتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” بواحد وعشرين ألفاً من المتظاهرين الافتراضيين، والحديث الذي يدور بين المفكر “عزمي بشارة” ومستضيفه “الظفيري” على شبكة “الجزيرة”، وفي هذا كله ليس ثمة ما يعوّل عليه، فالحديث يدور حول ترتيب الأولويات وتقسيم محاور الحلقة، وليس هناك ضرورة لإنزال صرة الدولارات على الشاشة، أي أن الصورة طبيعية ولا تحتمل التأويل.
في المقابل، تتحفنا الفضائية بمشهد من دمشق على أن الأمور تسير كما يرام، والحياة طبيعية وثمة شخص يظهر دائماً ويشرب الشاي في يوم الجمعة بحديقة عامة، فالبلد آمن ولا سبيل إلى الخوف يا ناس، ربما أن الناس الذين يموتون يومياً ليسوا من سوريا، وربما هذه المظاهرات تقوم في مدن أخرى من الكرة الأرضية، كما فعل “تلفزيون الدنيا” حين أظهر صورة لجندي خليجي يقتل مواطناً على أن الصورة هي من ثورة قطر على حدّ زعمها، لكن بعد الاطلاع تبين أن مصدرها من البحرين.
الجميع يعلم سبب الحملة الإعلامية لـ”قناة الدنيا” على دولة قطر، والأمر عائد بصيغة أو بأخرى إلى فضائية الجزيرة التي لا تسكت عن الخطأ وهذا ما يزعج المسؤولين السوريين الذين في كثير من الأحيان يُطالبون بإلقاء خطابات عصماء لضغوطات عليهم كما هو حال الشيخ “الصياصنة” في درعا والذي هدّده الأمن السوري بإعدام 12 ألف من سكان درعا إن لم يظهر على التلفاز السوري ويعلن براءته من الثورة.
خطط خبيثة يتبعها الإعلام السوري هذه الأيام وهي تذكرنا بما كانت تفعله وزارة الإعلام العراقية بإدارة “محمد سعيد الصحاف” وتكذيبها للأحداث وكذلك قنوات الإعلام الرسمي الليبي.
وحتى تبقى “فضائية الدنيا” ضمن مسارها الهادئ تعرض الآن مسلسلات تخدّر الشعب وتلهيه عن قضيته الأساسية من خلال عرضها المجدد لأبرز المسلسلات الكوميدية لأهم الممثلين السوريين الذين كانت لهم بصمات واضحة في سماء الفن السوري، ومنهم “دريد لحام” و”أيمن زيدان” ولاسيما بعد تصريحات الأول المخيبة وربما يأتي عرضها في هذه الفترة بالذات لإرجاعهم إلى قلوب الشعب وكسب محبتهم من جديد.
لكن رغم ذلك، أثبت الممثلون السوريون بالفعل أنهم فقط ممثلون وهم في أعمالهم مجتهدون وحتى في حياتهم ممثلون، لكن لمن؟ بالطبع لمصلحة الحكومة، هذا إن استثنينا المواقف الجبارة للبعض منهم.
الممثلون ورجال الدين هم قادة رأي بالطبع، وغالباً ما يتم الضغط عليهم لمصلحة الحكومة للتأثير من خلالهم على الشعب من كونهم شخصيات محبّبة إلى الجمهور الواسع، هذا الجمهور الذي يقوم بثورة عظيمة كسرت القواعد التقليدية للثورة الماركسية المعروفة، وأثبتت أن التلاحم الشعبي هو أهم شرط للوجود الإنساني.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…