بازارٌ على الجسد

محمود عبدو عبدو
الطب والعلاج باعتبارهما الحل الإنساني للألم الجسدي والنفسي , والطبيب ذاك الحامل مفاتيح الراحة بأنامله وعلمه, إذا عمل وفق تعهده وكلمة قسمه الطبية الإنسانية ووصية الأولين له  ” ابقراط ”  ,.
الذين حلفوا , هنا نذكّرهم بـ ” قسم الطبيب ”  الذي أدلوا به نعيده عسى أن تنفع من نسي كل حروفه أو بعضاً منه
: ((اقسم بالله العظيم أن أتقي الله في مهنتي وأن أقوم بما استطيع في اختيار أنجع الطرق من أجل التخفيف عن المريض ومساعدته على الشفاء وأن لا أقوم بأي عمل يكون ضرره على المريض أكثر من نفعه وأن احترم كرامة الإنسان حياً وميتاً وأن أحفظ سره واستر عورته وأن أثابر على طلب العلم واحترم وأتعلم ممن هو أعلى مني أياً كانت صفته وألا اكتم علماً اعرفه وأن أتعاون مع كل من يعمل في المهنة الطبية لمصلحة المريض والله على ما أقول شهيد )) .
و للعظماء الذين لا يزالون على قسمهم باقون هؤلاء الأطباء حملة شّعلة المعالجة  والنور عبر التاريخ  .
بينما الثمن  الذي يتقاضونه  يظهر ويبرز أنيابه حالياً كحدٍ وفاصل بين الطبيب ووظيفته الإنسانية والسبب هو تعلقه بالمادة أكثر من رسالته .
وهذا الفاصل ” الثمن ” الذي يكبر مُبعداً إياه عن دوره الحيوي الرفيع في تحويل الألم إلى فرح كما كان الشاعر والطبيب الهندي طاغور يدعوإليه ويفعله ممارسة ً .

فوق الجسد يجتمع مرافقو المريض والطبيب والثمن !!!
تتأرجح اللغة بين أخذٍ و رد ٍ , ويتضح وينتفخ الثمن وتنتفخ معها أحقاد الحاضرين وقلوبهم كبورصة للعملات النقدية
بازارٌ حقيقي أبطاله بعض الأطباء , والمكان المشافي  الخاصة والعامة والعيادات , ولوحة البازار والتحفة هي جسد المريض وألمه

بازارٌ على الجسد

الطبيب المختص هو ربّانُ هذا المشهد البازاري ” إن جاز التعبير ” الذي يمارس بازاراً مختلفاً مكانه الجسد المسكين ” طبعاً ” باعتباره الضحية والأساس في هذه اللعبة والمسابقة المحمومة
وكذلك العيادة الخاصة فالطبيب لا يدخل على المريض /الجسد , حتى يقبض ثمن فعله الإنساني!! .
أو متابعته في المشفى الحكومي التي توافيه أصلاً أجره شهرياً مُدّعياً بأنه وفـّر عليهم براكين الأسعار في المشافي الخاصة .

لكنه!!؟
مارس بازاره بصورة مختلفة , موحياً بأنه يخدم الجسد الممدد في المشفى بفعلته تلك ,  فقد يقوم أحدهم بالطلب من أحد مرافقي المريض بمراجعته في العيادة أو المريض المسجى نفسه , بدعوى الكشف وفتح القطب لعملية كان قد أجراها في مشفى حكومي أو أجراه احد تلامذته المتمرنين ليقبض هو الثمن , مقابل تحريك المشرط وعدة قطب ليقبض  آلافاً  من الليرات السورية , وما شابه ليبرز صوته البازاري في الطلب والمتاجرة بمعرفته .

وهنا لا  ننفي عنهم بأنها مهنتهم ومصدر رزقهم ولكن ؟!
عندما يتعدى الأمر المهنة إلى فعل تجاري وجمع للمال  فهنا للحديث كلام آخر .

عندما يوجهك طبيب ما  لمشفى خاص , بدعوى إنها أوفر خدمة وأنظف ,  ليدخل في  البازار حينها ,  كلٌ من المشفى والمخدر و المخبري والصيدلي  والممرض وكافة العاملين في صراع  القيم هذا  فكأنه يصطاد سمكة /مريضاً/من بحر الروتين و المشافي الحكومية  وأمثال هؤلاء يسمون المراجع المريض زبوناً .
طرح المرحوم الكبير طاغور ديانته الشعرية واسماها ” ديانة الشاعر ” ليلزم الشاعر الإنسان بالمساعدة وتفضيل إنسانيته على الفردية والجشع , أين طبيبنا من ديانته وقسمه الأبقراطي هذا
أين هم من عبارة تشيخوف الذي قال في رسالته الأخيرة لأخته                     :(( ساعدي الفقراء , أحفظي الوالدة , عيشوا بسلام )) .
التي حبذا لو علـّقها أمامه كلما بازر على الجسد
وحبذا لو عُلـِّق في مدخل كل مشفى حكومي  وخاص عبارة عملاق الإنسانية ميخائيل نعيمة القيّمة  علـّها توقظ فيهم شيئاً
: (( من حقر إنساناً احتقر نفسه , ومن بغض إنساناً بغض نفسه , ومن حاول أن يهضم حق الإنسان لا يهضم إلا حقه نفسه ))
عوضاً  عن تحديد ساعات الزيارات والفرجة وما شابه من توجيهات عامة لا تفيد ولا يتقيد بها احد  .
وهو ما نلمسه ونعيشه في المشهد الصحي والعلاجي , الذي لا زال يحمل الكثير من هذه القصص الملحمية المبكية الدالة على جشع البعض واستهتارهم بأبسط القيم الآدمية .

هذا الجسد بين أيديكم لا تحيلوه مزاداً لشهواتكم المادية
وها نحن نقلد الشاعر الألماني ماورر إذ قال

: (( كي يمتلئ برميلك المثقوب بالماء ألق به في التيار ))

وها نحن نلق هذا البازار وهذه المعضلة في تيار الصحافة الهائج !!!.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ديرك11/8/2006

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…