«طائرات هليكوبتر» سلفية

إبراهيم يوسف
elyousef@gmail.com

عندما ترفع مدينة ما سقف مطالبها، وشعاراتها، على صدى وقع الرصاص الوطني الموجه إلى صدور أبنائها، وتعرب عن حقها في إبداء رأيها،  بشكل شرعي، وأخلاقي، وحضاري، من خلال أبنائها المحتجيّن سلمياً، رداً على آلة الإبادة التي لم يتورع النظام عن اللجوء إليها، في مواجهة كل من طالبه برفع حصاره عن بعض مدننا الأبية، هذه المدن التي لم يتمّ حصارها إلا لأنها طالبت بحقها المشروع في الإصلاح……..

والإصلاح  فقط أولاً .

وليكن التغيير السلمي تالياً، أو أولاً، فإن النظام يرفع بدوره سقف عدد دباباته، وعتاده، وعسكره، وشبيحته، وبلطجيته الثقافية  والإعلامية والفنية والعسكرية، وأسلحته الثقيلة والخفيفة،سواء أكانت قريبة المدى أو بعيدته، لتزج في الحرب-العار- على الشعب-بغرض إسكات صوته وإعادته إلى مربع الإذلال-بحسب الفيلسوف الشطرنجي خالد العبود ومن على شاكلته- بعد أن طالب هذا الشعب بالخروج إلى -مربع العزّ والإباء- الذي هو مستقبل سوريا، أراد الطغاة أم أبوا…
والمدهش أن آلة إعلام النظام لما تزل-تقاوم- على جبهة إنتاج قذائفها الإعلامية التي بدت كاذبة، عارية، أمام  العالم أجمع، وهو يصنع سلفيين وهميين، بعد أن كان إنتاج السلفيين الحقيقيين اختراعه الشخصي بامتياز، في ساحة قريبة-في أقل تقدير هي العراق-لصنع البلبلة في الجوار، واستدامة قبضة الاستبداد، والجور،سورياً، إلا أن لا وجود أثر عملي لهذه الكائنات في بلدنا، بالرغم من محاولة استنباتهم، وتهيئة الأرض الخصبة لاستمرار عملية الحرب المعلنة على الشعب، لكنهم لا يزالون افتراضيين، ونأمل من الله ألا يخرجوا من هذا المربع.
وقبل أن يشدّ النظام رحاله، متوجهاً لمحاصرة، بل تدمير مدينة جديدة، على قائمته، لئلا تقوم لها قائمة احتجاج، فإن الطرفة المريرة التي تتردد، وتظل لسان حال الشارع السوري هي” سيقولون إن سلفيي بانياس ودرعا   طاروا إلى هذا المكان الجديد، مع أن لاطير يخرج من تلك المدن المحاصرة حتى الآن، وها أصبح –المسلف الإرهابي الجديد- أو المسلخ الوطني الجديد: تلكلخ……المدينة التي يصب عليها النظام جام الغضب، وأوج اللهب،  لتطلق النيران على أبنائها-لم يتم استخدام الغاز الكيماوي حتى الآن ..- هؤلاء الأبناء الذين ينزح المئات من أسرهم- ولاسيما الأطفال والنساء والشيوخ باتجاه لبنان- ” أمعقول أن ينزح مواطن بسبب احتلال قريته أو مدينته؟”،..

كما نزح كثيرون تجاه تركيا والأردن والجحيم، وهذا أعلى رقم حققه الاستبداد المترجم موتاً حتى الآن.

إن “الغلطة” التي وقع فيها النظام عندما أعلن على لسان أحد الذين التقوا ممثلته-بثينة شعبان- وراح يصرح أنه لن يطلق النار على المحتجين في “جمعة الحرائر”- بينما رموزه لا يخرجون إلى الشعب وهذه علامة تسجل لهذه الحرب الظالمة وعقلها الأمني بامتياز-إلا أن الوعد تحقق-وإن كانت شراهة القتلة تأنف إلا أن تقدم على مائدتها الحربية وجبة رمزية مؤلفة من ثلاثة أشخاص سوريين- وربما أكثر، حتى في هذه المرة (فمن يحصي الجرحى الهاربين ممن هم مشاريع شهداء يوميين بلا طبابة ولا وطن-وهو ما يقدّم للعالم الحرّ بالدليل القاطع أن القاتل هو: النظام، وهو ما يأتي بعد استفاقته من سبات نشوة جبروته الخادعة، عندما سيقت جموع الطلاب، والموظفين، والنقابات، بتوجيه مخابراتي،  في مسيرة ولائية، في غير مكانها، لتدفع  إلى القفز على الاستجابة عن السؤال الوطني الحكيم، وكان ذلك  محض كذبة أمنية أخرى، ويجب أن يحاسب من قام بتأليفها وإخراجها وفبركتها…..، ليتأكد الآن هذا النظام أن الخطر حقيق ، لا كما كان يتوهم بأن سوريا ليست مصر وتونس، بل إنها أسوأ واقعاً، من كلا البلدين، وغيرهما، ويكاد ألا يشبهه أحد في درجة انفلاته عن الرباط المواطني، الذي ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بما يذكر بالعقل الغابي، لا المدني المنشود، وها هي الدعوة إلى ” حوار وطني”  ولن نقول لم….

الآن ..

لأن الموافقة عليه شأن حكماء الوطن-من خارج النظام- تتم الدعوة إليه من قبله…..

بعد…..

كل هذا الدم والدمار والقبح  والحقد والاستباحة، وإن كنا نشدد على حقن الدم السوري، وأن يقدم الجناة-حالاً- إلى محاكة عادلة من قبل قضاء نزيه شفاف…..

أياً كانوا… 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…