النخبة والاصلاح

حواس محمود  

المتابع للخطاب الإصلاحيّ العربيّ لدى النخبة السياسية والثقافية والاقتصادية العربية يجد أنّ هذا الخطاب يجمع على ضرورة عدم التدخّل الأجنبيّ في شؤون المنطقة العربية الداخلية، وهنا يلتقي رأي نخبة المعارضة السياسية في نبذ ورفض كلّ تدخّل أجنبيّ انطلاقا من التجربة العراقية التي كانت لها سلبيات كثيرة، ولكن تختلف النخبة المعارضة مع السلطات في ضرورة الإسراع بالإصلاح بينما السلطات السياسية تحاول تأجيل الإصلاح بغية تهميش وإلغاء الدعوات الإصلاحية للاستمرار في الحكم والفساد للحفاظ على مصالحها الضيقة، دون أي ّاعتبار لمشروع الأمّة ونهضتها وتطوّرها.
يرى الأستاذ إحسان علي بوحليقة أنّه في مواجهة التوجّهات الأمريكية للإصلاح العربيّ يمكن بيان أنّ المدخل المنطقي للإصلاح في المنطقة العربية هو الإصلاح المرتكز إلى مبادرة محلية ومتدرجة تمتلك برنامجا اجتماعيا اقتصاديا، انطلاقا من أنّ للإصلاح خمس مراحل متدرجة تتراتب حينا وتتزامن عناصرها أحيانا أخرى وهي :
1 – إصلاح علاقة المجتمع بأفراده 2- إصلاح علاقة الفرد بمجتمعه 3- إصلاح علاقة المحلي بالخارجي 4- إصلاح علاقته بالمعرفة 5- إصلاح علاقته بالإبداع.

ويرى الباحث بوحليقة أنه رغم أهمية المراحل المقترحة كافة الا أنّ المرحلة الأساس هي المرحلة الأولى فهي ستجعل من الاهتمام بالمواطن وصيانة حقوقه غاية بما يمكنه – في حال إنجاز هذه المرحلة – من تجاوز الاهتمامات الغريزية الضرورية، وعليه لا بدّ من أن ينطلق أيّ برنامج للإصلاح من القضايا التي تعني الحاجات الأساسية للمواطنين بما في ذلك العمل ومكافحة البطالة لرغبة في تجنّب آثارها الاجتماعية والاقتصادية المروعة على الفرد والمجتمع والتي قد تتفاقم إذا ما استمرت طويلا لتغذّي الفقر والطبقية والإقصاء وسوء التوزيع للدخل وتفرز اختلالات ظاهرة وكامنة في المجتمع

ويرى الباحث وجيه قانصوه ( في مقالة منشورة بأحد مواقع الانترنت) أنه عندما أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية مشروع الإصلاح في العالم العربي استنكرت جميع القوى بما فيها أنظمة الحكم تلك المبادرة .

الا أن رفض مشروع الإصلاح الأميركيّ انقلب على فكرة الإصلاح نفسها، وتحوّل هذا الرفض الى مناسبة دسمة للتعبئة وإثارة المخاوف من التدخّل الأجنبيّ واحتجب بالتالي موضوع الإصلاح خلف خطوط جبهات المواجهة.

لم تدرك الولايات المتحدة، بل لعلها تدرك ذلك أن مبادرتها للإصلاح هي بعينها إعاقة للإصلاح الداخليّ، وطريقة مثلى لتغييب قوى الإصلاح وتوجيه الاتهامات إلى الأصوات المخلصة، وفرصة ثمينة للقوى المستفيدة من الترتيب السياسي المحلي في خلق تضامن شعبي مضادّ ورفض نفسيّ لأيّ تغيير داخلي.


كما أنّ تحييد التحدّي الخارجيّ من دائرة الخلاف، يساعد على التشخيص الصريح والتصوير الشفاف لمداخل الخلاص العامّ، ويساعد أيضا على الخروج من الدائرة المغلقة التي تصادر ضرورة التغيير الداخلي لحساب التحديات الخارجية، والتي ترجح فيها كفة المؤامرة في تفسير أية مشكلة أو أيّ مأزق داخليّ، ويتضخّم معها دور القيادة الملهمة التي تسأل ولا تُسأل وتحاسب ولا تحاسب، وتحتكر معها النخبة الواعية حق فهم أو تفسير أو تأويل الواقع وتحصر بنفسها تحديد الخيارات2

 

واستراتيجيات المواجهة، فيستمر بالتالي تبرير غياب التنوع وتقلص فرص التعبير الحرّ واستمرار قانون الطوارئ وانعدام الشعور بالسيادة الذاتية في صنع المصير وحرمة سلوك النقد والمساءلة، كل ذلك بحكم خطورة الوضع وحساسية المرحلة

ختاما : إنّ الحالة العامة للأزمة في العالم العربي بجميع جوانبها السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية تقتضي أن يتمّ التحرّك الفعّال والحثيث للتغلب على هذه الحالة الأزموية، ولا يمكن لقوة وحيدة أن تحقق الإصلاح وإنّما يتطلب الإصلاح تضافر جهود جميع قوى المجتمع للدخول في المعترك الإصلاحي والاستمرار بنجاح الى النهايات المنطقية ، كما يجب التذكير بأن القوى المحلية مهما كانت قوتها لا تستطيع انجاز الاصلاح بمفردها – لاسباب عدة – من دون مساعدة شخصيات ومنظمات وهيئات حقوقية انسانية دولية كما يؤكد على ذلك المفكر المعروف برهان غليون إذ يقترح لجنة دولية وسيطة مهمتها تسهيل فتح الحوار مع الأطراف المتنابذة وتذليل العقبات التي تحول دون تواصل هذه الأطراف، وابراز إمكانية المراهنة على الحلول السياسية المتفاوض عليها وجدواها.

المصادر :

1- احسان علي بو حليقة ” فتور الإصلاح العربي ومرحلة جديدة من الحرب الإستباقية” جريدة الحياة عدد14950 تاريخ 3/3/2004
2- برهان غليون ” مسألة الإصلاح في العالم العربي ” مجلة ثقافات البحرينية عدد18/2006 ص 12

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…