من يسقط من في سوريا؟

حسين جلبي

كل ما فعله النظام السوري منذ بدء إنتفاضة الشعب في سوريا ضده كان له هدف واحد؛ ألا هو إنقاذ نفسه عبر إلحاق الهزيمة بشعبه، فمعركة النظام هذه التي يعتبرها معركة حياة أو موت لا حلول وسط فيها، و لا تحتمل سوى منتصر واحد و بالتالي مهزوم واحد، فالنصر أو الهزيمة في هذه المعركة لا يقبلان القسمة على إثنين.

لهذا السبب حاول النظام و بشتى الوسائل إعادة الشعب السوري الحي إلى المربع الأول حيث كان يرقد (في سلام) لعقود طويلة في حالة موت سريري، ذلك المربع الذي بنى أضلاعه النارية من خلطة جهنمية هي مزيج من القتل والتعذيب و التنكيل و الترويع و الفساد و الإذلال و التجويع، شكلت عبرة حية و بالوقت ذاته تعويذة حمت النظام طويلاً.
لم يتصور هذا النظام للحظة أن أحداً سيتمكن من مجرد التفكير بالخروج عن الخطوط الحمراء التي رسمها، لذلك عندما فوجئ بما حصل، لم يكن من أولوياته مكافأة المتظاهرين بالحوار معهم أو بإستخدام الرصاص المطاطي و الغازات المسيلة للدموع ضدهم، بل جند كل ما تراكم لديه من إمكانيات و خبرات قمعية دموية كان يقوم بتصدير بعضها مثلما يستورد بعضها الآخر، و خلال ذلك غير أحياناً من لهجته لكنه أبقى على اللغة المتعالية ذاتها ، إستخدم العصا و جزرة الوعود، إستهلك كل ما في قاموسه من مفردات تخوينية لا تخطر على بال، رمى المتظاهرين بأقذع النعوت لعل ألطفها كانت المندسين، إستخدم الأبواق و الزمامير، كذب و زورعلناً دون حرج، إستعمل كل الإسلحة التي في جعبته من العصا الكهربائية و الرصاص الحي حتى وصل أخيراً إلى إستخدام الأسلحة الثقيلة من دبابات و غيرها، لم يبقى له من سلاح مادي أومعنوي إلا و إستخدمه.
أسقط المتظاهرون في سوريا على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية كل هذه الأسلحة و أنتصروا عليها بدمائهم، سقطت أشياء كان يعتبر مجرد إهتزازها ضرباً من المستحيل، فلقد سقط الهدوء الذي كان ينعم به النظام و سقط قناع الممانعة و الإصلاح عن وجهه، و سقط جدار الخوف الذي تجاوزه الكثيرون، فتجرأ المتظاهرون و مزقوا بعض صور رئيس النظام و حطموا تماثيله، سقطت صورته التي عمل كثيراً على تلميعها و تسويقها للخارج فبدأ سيف العقوبات يشهر عليه، لكن أكبر خسائر النظام هي سقوط الحل الأمني، إذ فقد هذا السلاح مفعوله، فبعد إن إنتقل من التلويح به قام بإستخدامه بتفاصيله الرهيبة، و دليل سقوطه إنه بعد كل القتل و القمع خرج المتظاهرون في جمعة التحدي.
إذاً مات النظام سياسياً و تمرغت سمعته في تراب أفعاله، لكن مقابل ذلك سالت دماء عزيزة.
لكن ماذا بعد؟ ما الذي بقي في جعبة النظام بعد إستخدامه لكل أسلحته و هي لم تحقق له المردود الذي إرتجاه بل إرتدت عليه هزيمة نكراء على كل الصعد، و على ماذا يراهن الآن؟
إلى متى سيستمر بسياسة لكل مواطن قناص و لكل بيت دبابة و لكل شارع جماعة شبيحة و لكل مدينة فرقة عسكرية؟ و هل سيبقى ممسكاً عبر ذلك بزمام الأمور إلى الأبد؟
الحقيقة هي أن النظام السوري يمارس اليوم طقوس الرحيل، الطقوس الدموية ذاتها التي مارستها قبله و بطريقتها الخاصة أنظمة رحلت غير مأسوف على  رحيلها، و أخرى في طريقها إلى الرحيل، فلقد أصبح واضحاً لكل ذي عقل سليم، و لكل من يمتلك حتى أدنى درجات  التبصر، أن النظام السوري بتكوينته الحالية، و بالآليات التي يعتمد عليها في التحكم بالبلاد و التسلط على العباد، و كذلك بالوجوه التي  لا زال مصمماً على الخروج بها على الناس، و بخطابه الخشبي المُسوس، أبعد ما يكون عن الإنتماء لروح العصر.

لذلك نبذه العصر، قبل أن ينبذه الشعب السوري.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…