أنظمة «المرتزقة والشبيحة و البلاطجة»: ودعاة حرية الاستعباد!

  قينان الغامدي

في تونس سموهم (المليشيا) وسموهم (البلطجية)، أما في مصر فسموهم باتفاق (البلطجية)، وجاءت مظاهرات ليبيا فكان (المرتزقة) شهود الواقع على هتلرية العقيد، حتى إذا التفتنا إلى اليمن وجدنا (البلاطجة) الذين يعبرون بوضوح عن دستورية النظام، أما سورية فلأنها متميزة في الممانعة الشعاراتية، ومقاومة (حق الرد) الذي لم يأت منذ أربعين سنة فقد تميزت باسم (الشبيحة) وهو اسم يلائم الأنظمة الثورية التي تدك مدرعاتها مدينة درعا للأسبوع الثاني على التوالي بحثا عما يؤيد كذبتها الكبرى عن الجماعات السلفية والإرهابية التي لا توجد إلا في ملفات استخبارات والد الرئيس الذي سحق الآلاف في حماة في السبعينيات من القرن الماضي دون أن يرف له جفن.
المليشيات أو البلاطجة أو غيرها من المسميات ليسوا نتاج الصدفة ولا فورة المفاجأة كما زعمت كل الأنظمة التي ظهروا للدفاع عنها وإرغام الشعوب على التخلي عن مطالبهم العادلة، هؤلاء نتاج جهد هائل من أنظمة هذه الدول – البائد منها ومن في طريقه إلى الزوال عاجلا – في تكوين أفرع أمنية لا انتماء لها إلى وطن ولا إلى إنسان ولا هدف لها إلا قتل كل مواطن يقول لا للظلم والجور والفساد ونعم للحرية والعدل والعيش الكريم، لقد تربى هؤلاء وتأهلوا وتدربوا على أن المواطن مباح للقتل متى شاء الزعيم، وعلى أنهم لا ينتمون للنظام متى أراد إنكار انتسابهم إليه، وهؤلاء كانوا ومازالوا وسيظلون دلالات تاريخية صارخة على أنهم أعظم إنجاز حققته هذه الدكتاتوريات العريقة في الوطن العربي، حيث لن ينسى التاريخ أن يحفظ بعناوين من بؤس اسم كل زعيم من هؤلاء على رأس فصل يروي كيف أنجز لوطنه هذه الفرق من المرتزقة والشبيحة والبلاطجة، وعليكم أن تتخيلوا تعليقات الأجيال القادمة على هذا البؤس الذي عاشه أسلافهم.

هذه المقدمة التوصيفية الطويلة لواقع أصبح معروفا للجميع، أردت أن أمهد بها لسؤال بعض المثقفين والإعلاميين والسياسيين الذين يروجون لنظرية المؤامرة التي حاكها الغرب بالتعاون مع زعماء صهيون والآن يطبقون ما خططوا له من الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد؟ حسنا.

هل المؤامرة بدأت عندما اعتلى هؤلاء الدكتاتوريون عروش الحكم، والآن كتتمة لها يجري خلعهم؟ إن كان الأمر كذلك فهي مؤامرة جيدة في شقها الأخير، إذ على من بدأ المأساة أن ينهيها.

أم أن ما يحدث الآن من سعي الشعوب إلى التخلص من جلاديها هو المؤامرة فقط؟ إن كانت هذه مؤامرة فانعم بها وأكرم إلا إن كان أصحاب أوهام المؤامرة يرون أن الصبر على أنظمة البلطجة والمرتزقة والشبيحة أفضل من خلع الظلمة تجنبا لظلال المؤامرة فهذا نقاش يطول! الطريف أن متوهمي المؤامرة رأوا ومازالوا يرون ويقرؤون أن الشعوب التي تحررت في مصر وتونس، وتلك التي تتوق إلى الانعتاق في ليبيا وسورية واليمن، لم يرفعوا شعارا واحدا للطائفية ولا القبلية ولا غيرها من الانقسامات التي زرعتها الأنظمة نفسها بينهم، وإنما شعاراتهم كلها ضد الطائفية والتمزق، ولا تطالب سوى بالحرية والعيش الكريم وإسقاط الأنظمة التي حرمتهم منها، فهل يمكن أن يكون في هذا مؤامرة؟ إنه لأمر عجيب، وحتى لو افترضنا أن هناك من حث وساعد هذه الشعوب سرا لتطالب بحقها الطبيعي في الحياة هل يعد ذلك مؤامرة؟

حسنا أيها المثقفون والإعلاميون والسياسيون العظام، ماذا تظنون أهل درعا وبانياس – مثلا- وهم تحت حصار وقصف القائد المناضل أن يقولوا لكم وأنتم تستعرضون المؤامرات والمخططات على الشاشات والصحف، وهم لا يستطيعون علاج جرحاهم ولا نقل جثث موتاهم ولا إطعام أطفالهم بذنب أنهم أرادوا الحرية هل تظنونهم يشكرونكم وأنتم تقولون موتكم أهون من تنفيذ المؤامرة المتوهمة؟ أم يقولون أريحونا بالصمت يا دعاة حرية الاستعباد!

*نقلا عن “الوطن” السعودية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني مقدمة يشكّل القائد الكوردي مصطفى البارزاني أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في تاريخي الشرق الأوسط المعاصر. فقد ارتبط اسمه بالحركة التحررية الكوردية طوال ما يقارب نصف قرن من النضال السياسي والعسكري، وكان أحد القادة الذين أسهموا في تحويل القضية الكوردية من انتفاضات قبلية متفرقة إلى حركة قومية منظمة ذات مشروع سياسي واضح. وتكمن أهمية دراسة فكر البارزاني في…

وردنا اليوم خبر مؤلم من أحد المفرج عنهم من سجن علايا، يفيد بأن ابننا ديار مستو قد أُصيب داخل السجن بمرض الربو، نتيجة الأوضاع الصحية والإنسانية المتردية السائدة هناك. وبحسب ما نُقل إلينا، فإنه يعاني من نوبات متكررة من ضيق التنفس، ويضطر إلى استخدام البخاخ بشكل متواصل، وفي بعض الأحيان يُسمح له بالخروج من المهجع لالتقاط أنفاسه عندما تشتد عليه…

الأستاذ وليد جنبلاط المحترم تحية طيبة في الذكرى السنوية لاستشهاد المعلم والقائد الوطني صديق شعبنا الكردي وسائر الشعوب المناضلة من اجل الحرية الراحل كمال جنبلاط . لقد تعاملنا مع الشهيد عن كثب قبل ، وخلال الحرب الاهلية ، وكنا معه ومع قادة العمل الوطني في لبنان من مؤسسي الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة تلك القامة العالية ، والعاملين في مختلف مؤسساتها…

د. محمود عباس لم يكن البيان الذي أصدرته وزارة الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كوردستان مجرد رد إداري على اتهامات أطلقتها وزارة النفط في بغداد، بل كان في جوهره محاولة لوضع النقاش في إطاره الحقيقي، بعيدًا عن السرديات السياسية التي تُصاغ أحيانًا لتغطية أزمات أعمق في بنية العلاقة بين المركز والإقليم. فالقضية المطروحة اليوم ليست مسألة تقنية تتعلق بتصدير النفط…