الداخل السوري من منظور خارجي

عريب الرنتاوي

المسافة بين النظام والشارع في سوريا تتسع يوماً بعد آخر، وهي كالمسافة بين شفرتي المقص، كلما اتسعت كلما ازدادت خطورة…كل خطوة يتخذها النظام لاحتواء الموقف ووقف التدهور، تزداد هذه الفجوة اتساعاً، وتضيف إلى قائمة المدن والقرى المنتفضة، قرى ومدن جديدة…كل خطوة يخطوها النظام، ترفع من سقف المطالب والشعارات التي يرفعها المتظاهرون…آخر نماذج هذه السباق، محسوم النتائج سلفاً، ما حصل بالأمس، في يوم الجمعة العظيمة، حيث ثبت أن كل ما أقدمت عليه السلطات، لم ينجح في وقف هذا السباق….تظاهرات سوريا بدأت بشعار “الحرية” و”الشعب السوري ما بنذل”، وهي تطورت أمس إلى شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”
يبدو أن الوضع في سوريا، يعيد انتاج السياق والسيناريو المصريين…لقد وصلت العلاقة بين الشعب والسلطة نقطة اللاعودة على ما يبدو…لقد سالت دماء كثيرة خلال الأسابيع الخمسة الأخيرة…أقل مما أريق في شوارع القاهرة والاسكندرية وبورسعيد، ولكنها كانت كافية على ما يُظن، لأن تجعل عودة المياه إلى مجاريها، أمراً متعذراً….النظام لم يستوعب الدرسين المصري والتونسي، هو يسير بسرعة “السلحفاة” فيما الشارع يقفز بخطوات واسعة إلى الأمام…طريق سوريا للتغيير ذي اتجاه واحد، هكذا تشير كافة الدلائل.

لكن مع ذلك، فإن التغيير الشامل في سوريا لا يبدو وشيكا، وقد لا يكون قليل الكلفة، نظراً لتركيبة البلاد والعباد…مع أن من يتتبع شعارات الشارع السوري المنتفض، يلحظ وعياً متزايداً لأهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية وصيانة النسيج الاجتماعي السوري المركب…بهذا المعنى، تبدو التجربة السورية مختلفة عن التجربة المصرية، وهي بهذا المعنى، ستكون تجربة متفرّدة.

الحدث السوري، بخلاف ما حدث في عدد من الدول العربية، مثير للارتباك، إقليمياً ودولياً..هنا لا توجد أجوبة قاطعة على أسئلة الحدث الأساسية…هنا السؤال يستنسخ أسئلة بدل أن يستدعي إجابات شافية….الغرب بزعامة الولايات المتحدة، يكتفي بالتحذير من الاستخدام المفرط للقوة ويحث على الأصلاح، لم يقل أحدٌ بعد أنه يريد رحيل النظام أو يدعوه للرحيل…في المقابل، لا أحد يستمسك أو سيستمسك بأهداف النظام الذي طالما نُظر إليه، كواحد من دول “محور الشر” أو “الدول المارقة”.

عرب الاعتدال بزعامة السعودية، حائرون، فهم يريدون تغيير النظام على أمل انفراط عقد حلف طهران ومحورها، ولكنهم لا يعروفون من سيخلفه، وما إذا كان التغيير في سوريا سيخدم هذه المعسكر أم سيزيد في عزلته وتأزمه….هذا المعسكر منقسم على نفسه، البعض يعتقد أن رحيل النظام في مصلحة، بل ويبدو ضالعاً في تحريك قوى مناهضة للنظام السوري، لكن أطرافاً أخرى، تخشى تداعيات “مبدأ الدومينو” وتتحسب لما يمكن أن تكون عليه صورة سوريا ومستقبلها….حتى قطر التي ارتبطت بعلاقة مميزة مع سوريا، وضعت نفسها على مسافة واضحة منها في الأسابيع الأخيرة.

إسرائيل التي استنفرت دفاعا عن نظام مبارك، ومبارك شخصياً، حتى آخر لحظة وقطرة…ترقب المشهد السوري عن كثب، محللوها يقولون بالحرف الواحد: “شيطان عرفناه، خير من شيطان لا نعرفه”…دبلوماسيتها لن تُستنفر كما فعلت زمن ثورة 25 يناير المصرية، ولكنها لا تكف عن التحذير من المخاطر الناجمة عن “قفزة سورية في المجهول”.

إيران قلقة للغاية على مصائر الوضع السوري…دمشق كانت العاصمة العربية الوحيدة التي احتفظت بعلاقة استراتيجية مع طهران طوال العقود الثلاث الأخيرة…حتى عندما وقفت جميع الدول العربية ضد إيران / الثورة، كانت سوريا تقيم علاقة تحالف معها…العلاقات السورية الإيرانية تطورات في عهد الرئيس بشار الأسد، وإيران اكتسبت دوراً متزايداً في الشرق الأوسط بفعل هذه العلاقة، ومن دون سوريا الحليفة، سوف يتراجع دور إيران وأصدقائها في لبنان…إيران ستكون في صدارة الخاسرين من التغيير في سوريا، إن وقع.

تركيا المتطلعة لدور كبير في المنطقة، عبر البوابة السورية، قطعت مع نظام الأسد، الأب والابن، أشواطاً طويلة على طريق التعاون الاستراتيجي متعدد المجالات والميادين، تركيا تخشى انعكاسات التغيير على “تفاهماتها” السياسية والأمنية مع النظام دمشق، تخشى انعكاسات التغيير على مصائر المسألة الكردية والنزاعات المائية والحدودية بين الجانبين، فضلا عن المخاوف من انعكاسات التغيير في سوريا على مستقبل الدور الشرق أوسطي لأنقرة.

خارج إطار الدول والمحاور والمعسكرات، هناك حركات فاعلة، ترقب عن كثب مجريات الوضع السوري الداخلي، بالأخص حزب الله وحركة حماس….حماس بلا شك خبرت التعامل مع نظام الرئيس الأسد، وهي مرتاحة للتعامل معه، وربما تفضل بقاءه، بيد أنها تعرف تمام المعرفة، أن النظام القادم في سوريا، إن حصل التغيير، لن يكون بعيداً جداً عن المكوّن الإخواني، النظام الجديد قد يأتي أيضاً بحلفاء لحماس واصدقاء لها من نفس طينتها السياسية والفكرية، لذا أحسب أن قلق الحركة محدود، بخلاف الحال مع حزب الله، الذي سيكون على الأرجح، أكبر الخاسرين برحيل نظام الأسد، ومعه مروحة واسعة من الشخصيات والمجاميع الصغيرة التي تدور في الفلك الدمشقي.

التغيير في سوريا عند حصوله، ستكون له تداعياته الكبيرة على دول الجوار…من العراق إلى لبنان، مروراً بفلسطين والأردن…فدمشق كالقاهرة وبغداد، من العواصم التي إن نهضت نهض جوارها، وإن كبت كان لكبوتها انعكاس مباشر على مروحة من دول الجوار…حمى الله سوريا.

23 – 04 – 2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين لم تكن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، إلى دمشق واستقباله من قبل الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب لقطة بروتوكولية عابرة، ولا حدثاً يُختزل في حدود العلاقات الثنائية بين دمشق وأربيل. فقد حمل المشهد دلالات سياسية عميقة تتجاوز أبعاد الزيارة ذاتها، خصوصاً مع طبيعة الاستقبال الرسمي ورفع علم كردستان إلى جانب العلم السوري؛…

مهند محمود شوقي هناك لحظات في الشرق الأوسط لا تحتاج إلى إعلان رسمي كي يشعر الناس بأن المنطقة تقترب من حافة جديدة. يكفي أن تتراكم الإشارات. واشنطن تقول إن الاتصالات مع طهران متوقفة، وطهران ترفض التفاوض تحت الضغط، فيما يصل رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد وسط تصاعد التوتر الأميركي ـ الإيراني. وفي الداخل العراقي، يقترب موعد…

شـــــريف علي الاستهداف الإيراني للقيادة السياسية والأمنية في إقليم كردستان ليس هو الاول ،فبعد عام 2003، اتسمت علاقة إيران بالقيادة الكوردية بطابع مزدوج: تعاون اقتصادي وسياسي من جهة، وتوجس أمني من جهة أخرى، خصوصًا مع تنامي دور أربيل في التنسيق مع الولايات المتحدة. ومع توسع النفوذ الإيراني في بغداد، أصبحت أربيل تمثل نقطة توازن مضادة داخل المشهد العراقي. خاصة وانه…

د. محمود عباس المشكلة ليست في قيام كوردستان، بل في استمرار إنكارها عن أي استقرار يتحدثون عندما يحذرون من قيام كوردستان؟ الشرق الأوسط خلال القرن الماضي لم يكن نموذجًا للاستقرار حتى نخشى أن تأتي كوردستان لتفسده. كان مسرحًا للانقلابات، والدكتاتوريات، والحروب الأهلية، والمجازر، والإبادات، والتطهير الديمغرافي، والإرهاب الديني والقومي، والتدخلات الخارجية، وانهيار الدول والمجتمعات. ولهذا ربما حان الوقت لقلب السؤال…