ذروة الضمير الجمعي

إبراهيم اليوسف
بات الحديث عن أخلاقيات الخطاب الثقافي، يزداد يوماً وراء يوم، ولاسيما في ظلّ هذا الانتشار الهائل لوسائل وقنوات النشر، الإلكترونية منها والورقية، ناهيك عن الوسائل والقنوات الأخرى المرئية والمسموعة، إذ صارت جميعها تلهث وراء التقاط المعلومة التي ستقدمها وفق طريقتها الخاصة، وبما يخدم أجنداتها وسياسات النشر عندها .
وإذا كانت ثورة الاتصالات والمعلوماتية قد استطاعت أن تحول العالم – كما يقال – إلى قرية صغيرة، وباتت المعلومة تصل إلى أي مكان في العالم، ربما قبل أن يتمكن قاطن الشارع أو الحي الذي تم فيهما الحدث الإطلاع عليه، وهو ما يؤثر في الرأي العالمي، لدرجة أن أية دمعة تسيل من عيني طفل، أو أية أنة يصدرها جائع أو جريح، أو أي منظر فظيع من مناظر العنف التي تضخها الشاشات، أوغيرها من وسائل الاتصالات، 
تجعل الضمير العالمي كله شاهداً عليها، بل إنه يتخذ موقفه الأخلاقي منها، الأمر الذي بات يهدد آلة الشر-أينما كانت-لأن مثل هذه المناظر المروعة لا مناص من رؤيتها، وبتنا نتابعها منذ أن نفتح أعيننا، لنظلّ تحت أسرها، على امتداد ساعات نهاراتنا، ونكاد لا ننفك عنها، ونحن نكمل ملامح ما يجري تارة عبر الرائي، وأخرى عبر الجريدة، أو غيرها مما قد غدا متاحاً أمام جميعنا .

وإذا كان ثمة ضمير جمعي بات يبرز على نحو واضح، في ظل مثل هذه الثورة في عالم الاتصالات والمعلوماتية، فإن هذا الضمير صار يبلغ آماده القصوى، وتوسعت دائرته على نحو يكاد يشمل العالم أجمع، وهو ما يمكن وسمه “بالضمير العالمي” الذي غدا يؤسس ل “الرأي العالمي” تجاه ما يدور في العالم، خلال مدد زمنية وجيزة جداً، الأمر الذي كان يحتاج في ما قبل إلى مزيد من الوقت والانتظار، حتى يتم قبوله، وانتشاره، والإقرار بمصداقيته، وهو ما يساعد على تمييز “الخيط الأبيض من الأسود” في كل قضية يتم تداولها من حولنا .
 ولعلّ آلة الشر المشار إليها، لن تقف مكتوفة أمام هذا الصدع اللافت الذي ينال منها، حيث باتت تظهر على حقيقتها، وتتضاءل دائرة سطوتها باستمرار، وينحسر جبروتها، أمام انكسار هيبتها الزائفة، التي باتت تتداعى إزاء انكشاف ِخدعها التي تمارسها أمام أعين العالم، ما يدفعها في مثل هذا المقام، لأن تطور أدواتها، في المقابل، وهو ما يرتب عليها إطلاق الذرائع الواهية، وقلب المعايير، بل تزوير الحقائق، من خلال تزيين صورة المجرم، وجعله ضحية، وتحويل الضحية إلى مجرم في الوقت نفسه .
وبدهي أن هذه الآلة العتيدة ستعتمد على طوابير من أدعياء الكتابة، ممن هم مستعدون، باستمرار، للانخراط في الانضمام إليها، والإسهام معها في تزوير الحقائق، وفق ما يملى عليها، بل والشروع بابتكار المسوغات المطلوبة منها لأداء مهماتها اليومية، ضمن جسد مثل هذه الآلة، لعلها تستطيع أن تحقق بعض ما يطلب من توازن، لا مستقبل له، لتواصل هذه الآلة هيمنتها، وتمرير خططها المعادية لكل مفاهيم الخير، والعدل، والجمال، بيد أن تنامي مثل هذا “الضمير الجمعي” واستطاعته قراءة الحقائق كما هي، اعتماداً على قدر عال من الوعي، بات عقبة كأداء في وجه جبروت هذه الآلة الرعناء والملحقين بها أينما كانوا .

جريدة الخليج- أفق13-4-2011

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…