في رمضان 00هل يصوم المتشددون عن العنف؟

 الدكتور شمدين شمدين
هاهو رمضان يهل علينا من جديد ، والأمة الإسلامية تعيش واقعا مراً ، يغلب عليه العنف والتطرف ، واقع بات فيه المؤمن يشك في إيمانه والمسلم في عقيدته ، فالمسلم الذي عرف دينه على أساس التسامح والمحبة ، بات يجد نفسه أمام أفكار وأطروحات كانت تشكل له إلى الأمس القريب غلواً وتطرفا ،أما اليوم فالمسألة تغيرت فالإيمان أصبح مرهونا بمفهوم جهادي تسعى البعض من الجماعات إلى فرضه على عموم الأمة ، وتسعى في الوقت نفسه إلى تصوير المسلم وكأنه ضحية لكل هذا العالم الحاقد على الدين والعقيدة الإسلامية ، هذا العالم الذي يسعى جاهدا إلى القضاء على الموروث الحضاري العريق للأمة  الإسلامية ، ويهدف حسب زعم هذه الجماعات إلى تفتيت الأمة وسلب مقدراتها وما حرب العراق وأفغانستان والسودان ولبنان إلا مقدمات لهذا التوجه العدائي للغرب تجاه الأمة الإسلامية
،وكأن العالم الإسلامي كان وحدة واحدة قبل هذا التاريخ ، قلب الواحد على الأخر ، وهم الواحد هم للآخر ، مال الواحد للآخر ، ووجع الواحد وجع لكل الأمة ، هذا ما دعا إليه الله ورسوله وهذا هو بالضبط معنى الإسلام  ،فلا يؤمن المرء حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، ولكن الواقع اليوم غير هذا ، فالأخ ضائع بين مخالب جماعات تبيح القتل بحجة الدين ، وبين أنياب حكومات تفتك بمواطنيها بحجة الدين والوطنية.
العالم الإسلامي يستعد اليوم لاستقبال ضيف كريم ، ضيف يحرم في حضوره سفك الدماء والاعتداء على الأعراض ، وهو شهر حرام يصوم فيه المرء عن الطعام والشراب وذلك بهدف الإحساس بألم الفقراء والجائعين ، إلا إن غاية هذا الشهر وحكمة فرضه لا تكتمل بهذا فقط  ، فالصوم يعني الامتناع عن إثارة الفتن بين المسلمين وبينهم وبين العالم الآخر كما تفعل بعض الفضائيات العربية ، الصوم يعني الامتناع عن استهداف الأطفال والنساء وقطع الرؤوس وتفخيخ الأجساد ، يعني العمل على بث المحبة بين عموم الناس والإحساس بآلامهم من فقدان الأمن في العراق وفلسطين والسودان ، الصوم يعني إن الله تعالى يأمرنا نحن المسلمين  من حكومات وجماعات مسلحة وأحزاب تمتهن الدين كعنوان للفوز بمكاسب مادية وسياسية ، أن نتنازل قليلا عن كبريائنا وغرورنا ونحترم جسد الإنسان ومشاعره وروحه التي هي غاية هذه الحياة ومبدؤها ، علينا جميعا اخذ استراحة من القتل والفساد والقمع ومصادرة حرية الإنسان في الاختيار والتفكير والتأمل في خلق الله ،فهل  تعطونا أيها الناطقون باسم الله فرصة للتأمل والراحة من عناء أخبار الموت والشعارات الزائفة ، امنحونا قسطا من القيلولة في رمضان ، دعونا ننسى قليلا لغة التحارب والعراك ، لغة التخوين والتكفير والتهديد والوعيد ، ولنعش سوية أخوة في رمضان بعيدين عن البكاء والألم ، وهذا هو بالذات هدف الإسلام وغايته ، أخوة إيمان وأخوة طريق ،طريق التسامح والعفو عند المقدرة ومد يد العون إلى الآخر بغض النظر عن دينه ، طائفته ، عرقه ، لونه ، جنسه ، وأفكاره فالإنسان هو أكرم وأعظم خلق الله ، وقد وهبه الله العقل الذي به تستقيم الأمور ويتضح الصواب من الخطأ ، وهذا العقل يقول إن الحياة فانية وان الآخرة باقية ، وان الذي يقتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا ،واليوم الناس تنتظر رمضان كي تستريح قليلا من صوت المدافع والرصاص ، فهل يشملهم رمضان بكرمه وعطفه ويتوقف كل هذا العنف ولو لشهر واحد ؟ أمنية نتركها وديعة لدى أصحاب الشأن وندعو الله أن يملأ قلوبهم بالعطف والحنان على هذا الواقع المر الذي نعيشه كمسلمين أولا وأخيراً .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…