من تونس إلى مصر.. بداية النهاية للأنظمة الشمولية الدكتاتورية

  نشرة يكيتي *

ينبغي أن ندرك إن قضية التغيير باتجاه دمقرطة المجتمعات التي تحكمها النظم الاستبدادية الشمولية على مختلف انتماءاتها الإيديولوجية والسياسية هي مسألة وقت ليس إلا, لأن التحولات الكبرى والتغيرات التي حدثت في العالم منذ أكثر من عقدين لم تكن قضية مفتعلة فرضتها إرادات القوى الكبرى في العالم, بل جاءت حاجة موضوعية وصيرورة طبيعية خلقتها ثورة المعلومات والاتصالات الجديدة التي حطمت الحواجز الجغرافية وحولت العالم إلى قرية كونية صغيرة, لايمكن فيها السيطرة على تدفق المعلومات وتبادلها بين البلدان عالم, كانت من أهم نتائجها انفتاح الشعوب على تجارب بعضها البعض وتأثرها بها.

تحت تأثير معطيات هذه الثورة العالمية الجديدة انهارت الأنظمة الدكتاتورية في أوربا الشرقية في زمن قياسي كأحجار الدومينو واحد بعد الآخر, وبشرت هذه الثورات الشعبية بأن رياح التغيير ستنتقل إلى كافة بلدان العالم ومن ضمنها منطقة الشرق الأوسط, ولكن جاء التدخل الدولي في يوغسلافيا عسكرياً لتغيير مسار المعادلة السلمية ظناً من الإدارة الأمريكية أن التغيير عبر الشعوب وخاصة في الشرق على طريقة أوربا الشرقية غير ممكن.
 وبعد نجاح التجربة اليوغسلافية عولت الشعوب العربية على تدخل الولايات المتحدة والقوى الدولية المتحالفة معها, لإجبار أنظمتها الاستبدادية لتغيير سلوكها والانفتاح على شعوبها وخاصة بعدما تبنت الإدارة الأمريكية السابقة شعارات الحرية والديمقراطية ووعدت صراحة بمصادقة الشعوب بدل الأنظمة القمعية, ووعدت بشرق أوسط جديد, ورفعت من سقف ضغوطاتها على الأنظمة الدكتاتورية في المنطقة, تحثها على التحولات الديمقراطية وإطلاق حرية شعوبها.

وقد كانت للسياسة التي تبنتها الإدارة الأمريكية حيال قضايا حقوق الإنسان والحريات تأثير كبير على معنويات الشعوب ووسعت من مساحة الأمل بإمكانية توجه أنظمتها الاستبدادية تحت ضغط السياسات الأمريكية, نحو إحداث التحولات الديمقراطية التي تتأملها.

وبالمقابل فقد أوحت الأنظمة العربية بمعظمها في البداية بأنها تنحني أمام رياح التغيير نحو الحرية والديمقراطية, وأقدمت بعضها على الاستجابة لبعض استحقاقاتها من خلال إجراء الانتخابات في هامش من الحرية وسمحت بعض البلدان بالتعددية السياسية وبحرية الصحافة ووعدت بالمزيد.
ولكن حدثت انتكاسة كبرى في مشاريع التغيير خلال السنوات القليلة الماضية لم يكن يتوقعها أحد حتى كادت الشعوب تنفض يدها من إمكانية التغيير ووصول رياح الحرية والديمقراطية إلى العالم العربي, خاصة بعد التجارب القاسية والمرًة التي أنتجتها تغيير بعض النظم الديكتاتورية عن طريق القوة العسكرية من جانب الولايات المتحدة وحلفائها, كما حدث في أفغانستان والعراق, والتي أعطت مردوداً عكسيا على حماس الشعوب لقضية التغيير مع وقوع البلدين بعد رحيل هاتين الدكتاتوريتين في الفوضى والعنف الداخلي والنزاعات الطائفية والمذهبية والسياسية وتمدد الإرهاب وارتفاع مؤشرات الفساد وغيرها من الأمراض الاجتماعية, الأمر الذي أخاف الشعوب بدل من تشجيعها على التغيير, وجعلتها تعتقد إن ثمن التغيير نحو الحرية والديمقراطية بالمقاييس التي أنتجتها تجربة هاتين الدولتين باهظ ومكلف جداً لا يستحق المجازفة من أجله فحبذت معظم الشعوب طريق التغيرات الهادئة المتدرجة معولة في ذلك على حكمة حكامها وفهمها لمسار التحولات الدولية.
 ولكن ما أن تراجعت حماس الولايات المتحدة وحلفائها عن التفكير بمثل هذه الخيارات والمغامرات العسكرية التي خاضتها تحت شعارات توفير الحرية والديمقراطية, وقد كانت مكلفة جدا بالنسبة لها أيضا بشرياً وماديا سياسيا, حتى الدكتاتوريات وخاصة العربية منها, التي واكبت الارتباك والتراجع الأمريكي والغربي في أفغانستان والعراق على يد المتشددين الإسلاميين والذي كان لها في الحقيقة دور كبير في تغذية هذا الإرهاب والتطرف والتهديد والتلويح المستمر بأن بدائلها هم هؤلاء المتطرفون والمتشددون, واتساع دائرة الناقمين على الحرب من جانب الرأي العام في هذه البلدان وفي المنطقة بسبب كلفتها البشرية والمادية والاسترايجية الباهظة, بالاطمئنان على مستقبلها, بعدما تأكدت وخاصة بعد المراجعات الكبرى التي أجرتها الإدارة الأمريكية في عهد باراك اوباما بأنها لم تعد مستهدفة, لأن هذه النظم تعيش وهماً لا تريد الاستفاقة منه فلا زالت تعتقد إن قضية الحرية والديمقراطية هي بضاعة وصناعة أمريكية غربية الهدف منها السيطرة على مقدرات هذه البلدان فحسب, وليست حاجات تفرضها ثورة المعلومات والاتصالات التي حولت العالم إلى قرية كونية صغيرة وبالتالي فإن قضية الحرية والديمقراطية هي حاجات تفرضها قوانين هذه القرية الكونية, وكل ما فعلته أمريكا والغرب هو اكتشافهما لهذه القوانين ومحاولة مسايرتها على الصعيد العالمي لتكون السباقة إلى اكتساب رضى الشعوب لضمان مصالحها الإستراتيجية, لأن مقاربتها للواقع كانت أكثر موضوعية وعلمية من مقاربات هذه الأنظمة الشمولية التي أصبحت في ظل هذه الثورة خارج التاريخ, ولأن أمريكا والغرب يدرك إن الشعوب في ظل معطيات الثورة الجديدة لا بد وأن تصبح صاحبة السيادة بفعل الحاجات الموضوعية لهذه الثورة.

فبدأت هذه الأنظمة الدكتاتورية انطلاقا من قراءتها الخاطئة للواقع بالانقلاب على وعودها بالإصلاحات, بل باشرت بتصفية حساباتها مع شعوبها ومعارضاتها الداخلية التي تفاعلت يوماً مع أحلام التغيير, في ظل تواطؤ دولي رسمي.

فدشنت مرحلة جديدة ونوعية من سياسات القهر والقمع والتنكيل بالحقوق والحريات العامة وتجويع الناس ونهب المقدرات الاقتصادية لبلدانها عبر تركيز الثروة في يد قلة قليلة من الناس من أركان هذه الأنظمة وحاشيتها المقربة, وعملت على مضاعفة الفساد والإفساد القيمي والخلقي على نحو مخيف ورفعت من مستويات قمعها وبطشها لإعادة إنتاج سيطرتها الكلية والعودة بالشعوب إلى مربع الخوف والإرهاب والاستسلام لواقعها بعدما لاحت لها في الأفق أمل التخلص من واقعها.
الشعوب بقيت تعيش على أمل التغيير والظفر بحرياتها, وظلت تعتقد بأن رياح التغيير والتحولات الديمقراطية الكبرى التي حدثت في العالم وبعض دول المنطقة قد تحمل هذه الأنظمة إلى الاستفاقة ومراجعة سياساتها تجاه شعوبها والعمل على إجراء تغييرات هادئة تحسن من أوضاعها المعاشية وحالة حقوق الإنسان والحريات العامة الأساسية, لكنها ما لبثت أن اصطدمت بتعنت هذه الأنظمة وشراستها من جديد واستعدادها لارتكاب كل الموبقات للاحتفاظ بسيطرتها وهيمنتها المطلقة التي لا تحد منها أي رادع أو قانون, وبالتالي عاشت شعوب المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية حالة انسداد أفق وغياب الأمل مع فقدانها في كل لحظة إحساس بآدميتها في ظل هيمنة أجهزة القمع والرعب وكل أشكال الإهانة والحرمان والكبت.


إذا ما حدث في تونس وبدأت تحدث في مصر من ثورات شعبية هي بداية رياح التغيير التي ستطيح بهذه الأنظمة واحداً تلو الآخر على غرار السيناريو التي شاهدناه قبل ذلك في أوربا الشرقية, بعد أن فوتت هذه الأنظمة على نفسها وعلى شعوبها كل فرص التغيير السلمي الهادئ المتدرج.



*
نشرة شهرية تصدرها اللجنة المركزية لحزب يكيتي الكردي في سوريا – العدد 189 ك 2 2011 م  / 2622 K Çile

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

إبراهيم اليوسف بشار الأسد بين خياري المواجهة: الاعتذار أم إعلان الحرب؟ نتذكر جميعاً كيف أنه في آذار 2011، تعرّض أطفال في درعا للتعذيب داخل فرع أمني. كما نتذكر أن المسؤول المباشر كان رئيس فرع الأمن السياسي المدعو عاطف نجيب، ابن خالة بشار الأسد، الذي نُسب إليه تعذيب أطفال درعا، بدعوى كتابتهم على أحد الجدران عبارات تستهدف بشار الأسد. تلك الواقعة…

صلاح عمر في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة كما تتكاثر الخرائط المزوّرة، وتُعاد فيه صياغة اللغة لا لتقول الحقيقة بل لتخفيها، يصبح الدفاع عن الاسم دفاعا عن الوجود ذاته. فالأسماء ليست حيادية في التاريخ، وليست مجرّد إشارات لغوية بريئة، بل هي عناوين للذاكرة، وشفرات للهوية، ومفاتيح للحق. حين يُستبدل اسم كردستان بتعابير فضفاضة مثل «أخوة الشعوب» و«الأمة الديمقراطية» و«الاندماج الديمقراطي» و«شمال…

نورالدين عمر تتصاعد في الآونة الأخيرة أصوات بعض الناشطين والمثقفين المطالبة بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من اتفاقية 10 آذار، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا: ما هو البديل الواقعي؟ إن الاندفاع نحو الانسحاب في ظل هذه الظروف المعقدة يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية، منها: ماذا لو تحالفت السلطة في دمشق مع أنقرة لشن هجوم منسق على مناطق شمال…

هجار أمين في أروقة السياسة الكردية في أربيل ودمشق والقامشلي، تتناقل الأوساط السياسية أحاديث عن فصل جديد يُكتب في ملف كرد سوريا، فالرئيس مسعود بارزاني، بثقله التاريخي وخبرته الدبلوماسية، يبدو جاهزاً لقيادة مرحلة دقيقة وحاسمة، قد تُعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة. في قاعة مفترضة، تجلس وفود ثلاثة: ممثلون لسلطة دمشق بوجوه محنكة، تحمل ورقة “الوحدة الترابية” كشماعة لكل حديث. ومقابلهم،…