إلى من لا يهمّه الأمر… (3) ((الضبع مرادو))

غولدَم ميدي
 
 يستعدّ الفلاح المُـكدّ للقاء شتاءٍ جديد مثقلا ً بالآمال منتش ٍبالخيرات التي وهبتها له الطبيعة، عاقداً العزم على تأمين مؤونة حيواناته ( أغنامه وأبقاره) بعد أن أمِـنَ لقمته ومؤونته الشتويّة له ولأولاده (إلى حدٍّ ما).
 ويمضي إلى أبواب الرحمة (أبواب الحكومة) للحصول على علف حيواناته الشتوي من مستودع الأعلاف بـ (ديرك) حيث يرتعُ (مرادو) وما أدراك مَن هو مرادو؟!!!
ضبعٌ نَهـِمٌ مفترسٌ ينهشُ لحم الأحياء والأموات من بني جـِلدته غير مـُبال ٍ بطراوة ذاك اللحم أو قساوته، حلاوته أو مرارته، إنّما همّه الأكبر هو الحصول على الفريسة التي يستطيع بها ( إلى أقصى حدٍّ ممكن ٍ) إشباع جوعه وجوع  الضباع الذين ينتظرون ما يصطاده لهم من عروق وأوردة المواطنين حتّى يكسب رضاهم ويقبلوا به (وهو يقبـِّل نعالهم) كعضوٍ منتمٍ إلى قطيعهم المشرّد المنبوذ!!
يُصدَم ويصطدم ذاك الفلاح البسيط بذلك الضبع الذي يسلبه حقّه في الحصول على كميّة العلف الكافية المسموح بها له ( قانوناً) وفق عدد حيواناته وأوراقه الثبوتيّة التي تثبت ذلك؛ فإذا كان كيس العلف يزن (100 كغ) فإنه أي (مرادو) يختلس منها ما يقارب (30 كغ) أو أكثر دون أن يسمح لمخلوق ٍ بالاقتراب من الميزان لمعرفة الوزن الحقيقي لكيس العلف حين يزنه، فإن حاول أحد الاقتراب للتأكّد من مؤشّر الميزان، صرخ ( مرادو) في وجهه واتهمه بأنّه يشكك في أمانته، وإن جاراه أحد من المواطنين في الكلام  حرمه ـ دون توان ٍـ  من الحصول على استحقاقه من العلف، فيضطرّ المواطن المسكين أن يرضخ لابتزاز ذاك الضبع ـ رغم علمه بغشّه وخداعه ـ كالأرنب الذي يلجأ إلى الثعلب مُرغَـماً ليعينه على تقسيم الجبن بينه وبين أقرانه رغم علمه بأنّه أي ( الثعلب ) سوف يلتهم نصف الجبن!!
فلا بدَّ  لـ ( مرادو) أن يسرق كميّاتٍ هائلة من أرزاق المواطنين المشروعة حتى يؤمّن لقطيعه ( قطيع الضباع) ما يسدُّ بطونهم الجشعة ابتداءً بالمحاسب ومروراً بالموزّعين وانتهاءً برئيس القطيع ومن يعلونه رتبةً ومقاماً!!
 ماذا يمكن أن يقال عن هذه الحثالة القذرة المسمّاة مرادو – واجهة محلات النهب – الذي يفضحه وجههُ القميء بتجهّمه وشحوب لونه وهو يـزنُ كيس النخالة  للمواطن البسيط؟؟!! ماذا يمكن أن يوجّه لهذا الضبع المشرّد الضاري الذي يبيع ضميره بكيس ٍمن العلف ويطعم أولاده من عرق الشعب نهباً وسرقة واختلاساً ؟؟!!
كيف يستطيع مواجهة أولئك المواطنين خارج المسلخ (مستودع العلف) دون أن يشعر بالخجل أو يهتزَّ له جفن من جرّاء ما فعل بهم، وهو المنبوذ بين قومه وبني جلدته وأهله وذويه (إخوته وأخواته) الذين يتنكّرون له ولأفعاله المشينة؟؟!!
والمفارقة تبدو في أنّ المركز الذي كان يشغله كـ (موظّفٍ مراقبٍ على ميزان العلف في المستودع) كان يُغري الكثيرين بأن يحلـّوا محلّه بأيّ ثمن، حتى جاء المدعو ” غسان ”  ليدفع مبلغ (300 ألف ل.س) كرشوةٍ  مقابل أن يصبح السيّد الجديد على الميزان ليتقن أساليب النهب والسرقة فيكون بذلك شرَّ خلفٍ لشرِّ سلف.
 فلو لم تكن النوايا كذلك لما دفع هذا الناهب الجديد ذلك المبلغ ليرشو به مَن بيدهم مفاتيح الإقالة والتعيين، ليزيح ( مرادو)الذي يبدو أنه لم يكن يُحلـّي أفواههم كما يشتهون، وجاء الآخر ووعدهم  بإرضاء شراهتهم، فحوّلوا مرادو إلى قسم ٍآخر وعيّنوا هذا الضبع الصغير(الأعرج) ليصبح في المستقبل ضبعاً شرساً على أصحاب الحق، وفيّاً لفريق الضباع متقناً لفنون الوفاء لهم أكثر من الذي قبله!!!
ولكن يبدو أنّ مرادو لم يهن عليه فراق تلك الكتلة الحديديّة (ميزان العلف) التي كانت تدرّ عليه بالمال الوفير كضرع ٍ مدرار لأكثر من عقدٍ من الزمن، لذلك فقد وعد وتوعّد بأنّه سيعود إليها في أقرب وقتٍ ممكن ليتأبّـد في مركزه ذاك، جرياً على العُرف المعتاد في هذا البلد.
والظاهر للعيان أن القائمين على الإقالة والتعيين في معظم مؤسسات الدولة قد ابتكروا فناً جديداً للتكسّب الطفيلي والثراء الفاحش بأيسر الطرق واهمين الشعب بأنّهم يُجرون عمليات تغييرٍ لاستئصال بؤر الفساد الوظيفي في دوائر الدولة ومؤسساتها كما حدث مؤخراً من – تغيير- لمدراء المدارس في مديرية التربية في محافظة الحسكة (حيث عاد قسم منهم بعد أن أزيح عن منصبه!)، و لكنّهم ( أي القائمين على الإقالة والتعيين)  يبتغون من وراء هذا الإجراء فتح باب المزايدة ـ من وراء الكواليس ـ بين الموظف السابق والموظف اللاحق للاحتفاظ بالمركز الوظيفي المرجو، وفي مطلق الأحوال يدفع المواطن ضريبة كل ذلك الفساد الجنوني!!!
 
والآن : كيف سيؤول حال هذا البلد الذي استشرت في خلايا جسده الكتل السرطانيّة التي تعيث فيه فساداً وتخريباً؟؟!!
 وكيف سيغدو حال المواطن الذي يسكت عمّا يـُنهبُ من سِلال رزقه ويُسفكُ من دمه وعَرقه وتعبه دون أن يحرّك ساكناً كمن لا حولَ له ولا قوّة في ظلّ تغاضي أولي الأمر (الحريصين على أمانة المصلحة العامّة) عن هذا الغيّ وهذا الظلم السافر ضدّ الإنسان والحيوان على حدّ سواء؟؟!!
 أين هم ( أولئك الفاسدون) من ميزان العدل والحضارة والقيم الإنسانيّة التي يتبجّح بها مدّعو الرسالة الإنسانيّة الخالدة؟؟!!

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…