نعم لننقد… ولكن… (الحلقة الأولى)

  الدكتور محمود عباس

قال الرسول الكريم (ص): “أطلب لأخيك عذراً”، ما أجملها من دعوة لتفهم الآخر.

ونحن نقول في هذا المقام: “تفهم  أفكار ومبادئ أخيك ومنظومة تكتيكه وإستراتيجيته في النضال”، فلا يستطيع أي منا الإدعاء أنه يمتلك الطريق الحقيقي والأصوب في مسيرة الكفاح من أجل انعتاق الشعب الكردي وخلاصه من مآسيه، ولا يستطيع اي منا الإدعاء بأنه الوحيد الذي يسلك الدرب القويم للوصول إلى الحق والباقي يتخبطون في مسالك خاطئة وباطلة نهاياتها.

وإن بقينا كذلك دون تقويم لمفاهيمنا سيبقى الوصول إلى الغاية عصياً علينا نحن الكرد شعباً وضمنهم مثقفيه وساسته.
علينا أن نأخذ بعضنا بالتفاهم والتحليل القويم والاستنتاج الواعي.

ينبغي أن نبقى ضمن منطق النقد من أجل البناء وليس الهدم المتعمد.

ألا نرى أننا نشدد وبدون هوادة على تكفير بعضنا للبعض، فالتكفير لا يعكس سوى الجهل، والجاهل لمعتقدات الآخرين من أراء وأفكار وإيديولوجية أو مراحل تكتيكية وإستراتيجية هو من يكفر الآخرين، أما العارف بمعتقداته من أفكار ومبادئ ومعتقدات الآخرين فإنه يتفهم هذه المعتقدات ويحترم أصحابها، ويطلق كلامه بسوية ثقافية عالية.


 المجتمع الكردي عامة، والحركة الثقافية والسياسية بشكل خاص، أحوج المجتمعات إلى النقد والنقد الذاتي، وللأسف فهو، بالعكس، من أغنى الشعوب لعدد جولاته داخل حلبات التهجم والنقد السلبي، والذي لم يجلب حتى هذه اللحظة سوى النعرات الشخصية، والتناحرات المؤذية، ومن ثم إلى التباعد والتخلف الفكري، والضلال في رؤية المنهج القويم وبالتأكيد يؤدي إلى إعاقة مسيرة النضال، ونحن شهود عيان على ما نتمرغ فيه من المآسي.
  جاهدت عمداً عدم العودة إلى هذا الموضوع الحساس ، خاصة بين ساسة ومثقفي الكرد، لكنني وبعد حوارات ونقاشات عديدة مع السيد سعيد الرقاوي عدت إلى إعادة طرح هذا الموضوع، آملاً أن أوفق في تبيان رأي بشكل أوضح، ولا يهم إن كان هناك نقاش وحوار أو جدال مخالف وحاد، ومن المنطق أن نختلف وننقد ونبرز وجهات نظر مختلفة، لكنني لا استسيغ الهجوم بشكل عام وخاصة الذي يبنى على كلمات لم أقلها وتبيان أفكار لا أؤمن بها، ومعظم الأحيان جوابي لمثل هذه النقاشات والتحاليل والنقد الهجومي، هو الصمت، وللصمت لدي غايتان، الأول هو: لإيماني بعدم جدوى النقاش، ليس من منطلق الإخلال بمستوى المجادل، وما أصعبه من صمت، لكنه يبقى أهون من خلق خصم من بين الكرد.

والثاني يكون اتجاه شخص منافق أو كاتب ضحل أو مهاجم  مدفوع من قبل الآخرين لتبرير غايات رخيصة مبتذلة، ولقد ابتليت بواحد من هؤلاء قبل أكثر من سنة.
   الحوارات العديدة بيني وبين السيد سعيد الرقاوي دفعني إلى فتح باب النقاش ثانية، آملاً بالأفضل، والأفضل مثلها مثل كل شيء حالة نسبية تختلف بين فرد وآخر.

تناقشنا على الوضع الحالي للحركة الكردية بشكل عام ومنظومة المجتمع الكردستاني بشكل خاص، والتحليل التاريخي للحركات الكردية، ودور قادة هذه الحركات وعلاقاتهم، وعلى غيرها من المواضيع، لكن النقاش الأهم كان على دور المثقف الكردي في هذه المواضيع.

والموضوع الحالي الذي أجدد الآن طرحه، هو النقد، كيف يجب أن يستخدم هذا السلاح الحساس ويتناوله الكاتب والمثقف والسياسي الكردي، وبالتأكيد كانت هناك اختلافات حادة حول الكثير من هذه المواضيع وبالمقابل كانت هناك وجهات نظر جداً متماثلة ومتقاربة، ولكن الأهم هو سوية النقاش والنقد والجدال، والتي توصلنا إلى تفاهم وإبقاء مجال لفتح حوار آخر، وهذا ما يتطلب منا كمثقفين التعامل مع أفكار وآراء ونضال الحركات الكردية وقادتها أو نخبتها عند النقد أو التحليل والاستنتاج.

      
  كثر الحديث والنقاشات الجانبية عن مدى جدية النقد، ولكن… أي جوانب من النقد نحتاج إليه، هل تتساوى الحركة الكردية وقادتها مع السلطات الدكتاتورية والشمولية والأحزاب الفاشية الداعمة لها، في سوية النقد؟ وهل يجب أن تسخر تلك الأقلام  وبنفس اللهجة مع الطرفين وبنفس اللون من المداد ونفس الكلمات؟ وهل يتساوى النقد والهجوم ؟ وهل فعلاً ليست هناك حدود  واضحة بينهما؟ ألا نستطيع التمييز بين عملية الهدم فقط لمجرد الهدم والهدم الممنهج لبناء الأفضل؟
تنوعت دروب الحركة الكردية في النضال، وكثر القادة من على الساحة ، وأصبح الشعب الكردي كالقطعان الهائمة المذعورة تركض وتلتف حول كل مناد، والمثقف الكردي لا يزال ينبش القبور التي نبشت ولعشرات المرات يبحث عن جواب لسؤال غير واضح المعالم بعد، أين هي نبوة المثقف؟ وأين هي فراسته وحكمته في تبيان الحقيقة وإسكات الصراعات الداخلية بكل أطيافها والتي تعد من أبشع الأعداء وأشرسهم؟.


  نقد الحركة الكردية وقادتها، ومن ضمنهم منظومة المجتمع الكردستاني ليست بدعة، بل هو إبداع، ويخدم النضال في عمقه، هذه المنظومة التي تعد الأولى في تاريخ الحركة الكردستانية في بناء حزب بل ومجموعة مؤسساتية لا تقل عن قوة أي دولة وبإمكانيات الأمة الكردية الفقيرة وهي التي خلقت أحزابا متنوعة تلائم الظروف الموضوعية لكل قسم من أقسام كردستان وهي التي خلقت قوة إعلامية لا تقل عن إعلام بعض الدول الموجودة في الشرق الأوسط و و و…، ولكن…هذه الحركة وغيرها من الحركات الموجودة على الساحة الكردستانية لها أخطاؤها، وبالتأكيد أخطاءها بمستوى حجمها، ولقادتها أخطاء، وعلى المثقف الكردي بشكل خاص محاولة تبيان هذه الأخطاء ونقدها وتوضيح أسباب هذه الأخطاء، على ألا ينسى المثقف الكردي بأنه أيضاً قابل للخطأ، وهنا يكون النقاش والجدال المنطقي النقد والنقد المعاكس والذي يجب أن يبتعد عن المهاترات الشخصية والمصالح الذاتية…
يتبع…
الولايات المتحدة الأمريكية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…