ما هي الحالة المناسبة والمطابقة للمشهد السياسي الكردي في سورية .؟؟


 سمير سفوك

من المحسوم علميا (نفسيا وتربويا)  ان المنافسة الحرّة الشريفة تعد احد اهم  اسس الابداع و التطور و التقدم  البشري على المستويين الفردي و الجماعي في جميع مجالات الحياة ( سياسية، اقتصادية، ثقافية، عسكرية، رياضية،…الخ).

و من المحسوم تاريخيا و ثقافيا بان الشرق (سياسيا على الاقل) لم يعرف ثقافة المنافسة الحرّة المنتجة في مختلف مراحل تطوره، بل كان دوما لذة الصراع و شهوة الانتصار على الآخر المختلف او المنافس وإمحائه في مركز اهتمامه و محور سلوكه و مصدر التباهي بل الافتخار لديه.

و المنافسة في قاموسه السياسي تعني المهاترة و التخوين، لذا يرتب لنفسه على ذلك  سلم اولويات و مهام تحوّر القضية و النضال و تضيّع الهدف و البوصلة وتميّع القيم والمبادئ و تزرع اليأس في النفوس و الشقاق في الصفوف.

و باعتبارنا ككورد و كسوريين جزء من ذلك الشرق و تلك الثقافة ونترنح تحت عبء موروثه الثقيل فما هي الحالة المناسبة و المطابقة للمشهد السياسي الكردي في سوريا؟؟ روى لي احد الاصدقاء-ذات يوم- قصة من التاريخ الاسلامي تعود رحاها الى واقعة صفين بين جيشي الامام علي ومعاوية، فيسأل احد الصحابة صديقه و هو يتأمل الحرب التي تحصد ارواح المسلمين من الطرفين: ايهما أحق بالخلافة؟ عليّ ام معاوية؟ فيرد صاحبه: ( الصلاة وراء عليّ أثوب، و الجلوس على مائدة معاوية أدسم، و الهروب الى تلك التلة اسلم).

  نستنتج مما سبق بوجود ثلاث كتل او تيارات بشرية اذا صحّ التعبير تؤثر في مسار حركة التاريخ و تحدد الخط البياني لمراحل تطور الشعوب و تقدمهم: التيار الاول: صغير لكنه فاعل ومنتج و مبادر  يعمل بنكران ذات و تضحية في سبيل المصلحة العامة بهدف تحقيق الحرية و  العدل و المساواة لشعبه و للبشرية جمعاء.

التيار الثاني: كبير يتحدث باسم الشعب يتحرك ضمن دائرة الخطوط الحمر(للحفاظ على مصالحه)  و يروّج للخطاب الموضوعي و للفعل الممكن تبريرا لسكونه و عدم فاعليته بحجة الحرص على سلامة المجتمع والدفاع عنه و عدم دفع الامور نحو الاسوء.

التيار الثالث: واسع و عريض، انتهازي و مهزوم، يضم تحت لوائه الاغلبية الساحقة من الجماهير الغفيرة المتتكئة على اللاامبالاة و عدم الاكتراث بما يحدث حوله .

من الواضح  ان التيار الاول ( نقصد به التيار النضالي/ الميداني و هو ما يهمنا) في المشهد السياسي السوري بشكل عام و الكردي بشكل خاص ضعيف و متبعثر لانه يحمل مشروعا مكلفا لحامله و لجماهيره في ظل صراع غير متكافئ بالمقارنة مع  قوة الاستبداد من جهة، و محاصر من قبل التيارين الثاني و الثالث من جهة اخرى ، و مستهدف بل و محارب من قبل السلطة الامنية ليس في لقمة عيشه و فضاءات حريته فحسب بل حتى في وجوده (كما حصل لابناء شعبنا خلال انتفاضة آذار 2004 ومن ثم للشيخ الدكتور محمد معشوق الخزنوي) من جهة ثالثة، فالسلطة تتدخل كقوة حاسمة ضده باستهداف رموزه و اقطابه الرئيسيين لشل حركته و اخماد عنفوانه و تكبيل ارادته ومن ثم انهائه كما فعلت في السنوات الاخيرة مع لجنة التنسيق على المستوى الكردي( باعتقال مصطفى جمعة و رفاقه، مشعل التمو، حسن صالح ورفاقه) و مع اعلان دمشق على المستوى السوري( باعتقال التيارالليبرالي من قيادة الاعلان).

باسقاط ما سبق على الحالة الحزبية الكوردية سنرى ان الحل يكمن في الفرز السياسي القائم على الثقافة و المبادئ الديمقراطية الليبرالية و هي وحدها كفيلة بخلق مناخات صحية لصياغة مشاريع مجدية و هيكلة و بناء الذات على اساس الكفاءة و  التخصص و المؤسساتية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…