مكافأة نهاية الخدمة…!.

عمر كوجري

لا يختلف اثنان على أن للقيادة دوراً فعالاً في حياة المجتمعات، ومن الصعوبة بمكان تأمين القيادي، وإيجاده في أي وقت، لأن تنفيذ سياسة تنمية القيادات تتطلب جملة من الخطوات ، ويجب أن  تتضافر الجهود، وتحشد كافة الإمكانيات حتى نستطيع صناعة القادة، وصناعة القادة ليست عملية اعتباطية سهلة كما يروق لقليلي الحكمة، والقارئين للوقائع بعيون غبية، وأنوف لا ترى أبعد من أرنبتها،  فالقادة الحقيقيون لهم كاريزما عجيبة يستطيعون أن يندمجوا مع الذات الجمعية، كذلك هم مندمجون ومندغمون أصلاً في إرادة الجماعة والمحيط، وهم بكل تأكيد العصب الفعال والأساسي في عمارة وبنيان أي  حزب، أو جمعية أو حتى أسرة صغيرة.
والمكون الاجتماعي الذي يفتقد القائد الأصيل يتعذّب في الوصول إلى تحقيق غاياته وأهدافه  وحتى إن وصل فسيكون وصوله متاخراً، ناجزاً لكثير وقت وجهد وعرق لا طائل منه.
من هذه الزاوية يثمّن الشعب الكردي دور قادته الذين سطروا تواريخهم وتاريخ شعبنا بأحرف من ذهب، وقادوا الانتفاضات الكردية والثورات التي لم تتوقف رغم أن الكرد كانوا دائماً لا يملكون الاعتدة الحربية الجاهزة والعدد الكافي لمقارعة أعدائهم المنظمين أكثر، والذين  كانوا يملكون المال والسلاح والجيش الجرار ، ومع ذلك كثيراً من صولات أعداء الكرد تكسَّرت وتحطمت أمام إرادة الشعب الكردي الفولاذية، والتي أبت أن تنام على ذلٍّ  وضيم، وكان للقادة الكرد الدور الكبير في إنجاح الكثير من هذه الانتفاضات لأنهم كانوا قادة فعليين لم تضعهم الظروف في مواقع القيادة، بل كانوا يؤثرون مصلحة شعبهم على كل مصلحة، وهذا كان سرَّ نجاحهم.
اليوم نحن في هذه البلاد أمام لوحة أحزاب كردية في سورية ، متشظية وشارخة في العمق ، لوحة محزنة بالفعل بسبب الإفراط اللامعقول واللامنطقي لعدد هذه الأحزاب، هذا العدد اللامنطقي ولَّد بالضرورة وصول بعض القادة ” أقول البعض” الوصوليين النفعيين  الذين لم يصلوا إلى المواقع التي تسلموها بكدِّ جهدهم وعرق جبينهم كما يقول عقلاء المجتمع، بل تدخلت شروط مواتية لهم، لكنها غير مفرحة لجماهير الشعب الكردي التي اكتوت بنار الانقسامات الحزبية الفظيعة، وصار كل من يختلف على نقاط تنظيمية يمكن حلها في المحطات الشرعية، يتطلع للانشقاق عن حزبه الأم، وبدأت تجتاحه رغبة مجنونة في أن يصبح هو أيضاً قيادياً طالما أن القيادة بنظره لا تحتاج إلى مهارة كبيرة ولا إتقان، ويلزم الأمر عدة أطقم رسمية شغل ” 1200 ليرة” وكرافات صينية، وحذاء لميع.


والمشكلة إن صورة القيادي الأصيل تضيع وسط أمواج القيادات التَّعبة التي تؤثر مصلحتها وكرسيها ورخاء وضعها، واستغلالها للحزب ورفاق الحزب مطية لها، دون أن ترفَّ جفونهم لقباحة ما يرتكبون، فالقيادي الأصيل والحالة هذه يختار الانزواء، ويعتريه الوهن، والشعور بأنه قد اختار الطريق الخطأ أو الحزب الخطأ، فتتباطأ تطلعاته، وتضمحل أحلامُه، وتنكمش رؤاه الفكرية والمعرفية حتى تتلاشى، وتذوب في هذه الفوضى غير الخلاقة بالتأكيد.


والمشكلة الأعوص أن القيادي الانتهازي يشعر أن الدنيا ثابتة على قرنيه، “ما الفرق بينه وبين الثور في التحصيل المعرفي؟؟!!” فلا يتزحزح من مكانه تحت أي ظرف، ومستعد لافتعال الحروب، وخوض الموبقات في سبيل البقاء والتشبُّث بمنصبه.


هذا القيادي هو سر تراجع أحزابنا، هذا القيادي يجب أن نقدّمَ له في المحافل التنظيمية والمجالس الرسمية..,، مكافأة نهاية الخدمة ونقول له: باي باي..

من غير أسف.

ولكن هل سيتوقف عند حده؟؟ لا… فكومبيوتر محمول أو حتى منزلي عتيق ماركة 1900 وخشبة، وبيان وتأييد من الزوجة والعشيرة يساوي حزباً في أعرافنا التي تفتقر للكثير الكثير، وتفتقد منطق التفكير القويم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…