النفاق والمكر الفارسي!

درويش محمى

“والله العظيم جربته لاكثر من مرة كان يعمل كالساعة وغير معقول يارجل” كاد يجن جنونه وهو يردد الجملة نفسها مرات ومرات, بعد ان قذف ارضاً وبكل قوته جهاز الراديو الذي اشتراه خلال وجوده في طهران, لم يصدق المسكين ان الراديو الذي دفع ثمنه مئة دولار اميركي بالتمام والكمال, كان مجرد علبة فارغة, لقد “ضحك عليه” بكل بساطة, وخدع من قبل تاجر ايراني ماكر .
من نافل القول ان لكل دولة مصالحها, وايران كدولة لا شك ان لها مصالح ومطامح تسعى إلى تحقيقها, وبغض النظر عن شرعية المصالح الايرانية او عدم شرعيتها, تعتبر الوسائل والسبل التي تلجأ اليها ايران في سعيها إلى تحقيق تلك المصالح والمطامح غاية في الخطورة, ومثيرة للرعب والاشمئزاز في الوقت نفسه, ومن دون مبالغة, ولا مكر ولا خداع.
الطريقة الايرانية في التعامل مع قضايا المنطقة هي الاكثر خطورة على الاطلاق, وتتجاوز في خطورتها حتى”البعبع” الاسرائيلي, فمحمود احمدي نجاد قالها في العلن ومن دون رتوش, “اننا قوة كبيرة في المنطقة لا يمكن تجاوزها”, لم يقل نجاد ان لدينا صورايخ عابرة للقارات وجحافل لا تعد ولا تحصى من الحرس الثوري, ولم يقل اننا سنجعل الاراضي الايرانية مقبرة للاعداء الاميركيين واليهود, بل قال وبكل صراحة, اننا اقوياء في المنطقة, وبقليل من التمعن يدرك المرء ما يقصده الرئيس الايراني المشكوك في شرعيته, انه يعتمد على التنوع الطائفي السائد في معظم دول المنطقة ومجتمعاتها لتحقيق مطامح ايرانية ضيقة, هذا التنوع الذي بدأت ايران تستخدمه كورقة ضغط على المجتمع الدولي لتمرير مشروعها النووي, يعتبر من اكثر الاشكالات التي قد تواجهها الدول العربية في المستقبل القريب .
الخطاب الايراني واضح وضوح الشمس, والبعض من العرب يدرك حقيقة هذا الخطاب, لكن البعض الاخر منهم شرب المقلب الايراني وصدق كذبة ايران الممانعة والمقاومة, حتى اصبحت طهران لدى هؤلاء القبلة الاولى والاخيرة.

الحوثيون على سبيل المثال لا الحصر, هم الضحية الحاضرة للمكر والخداع الايراني هذه الايام, هم ضحية لشعار” الموت لأميركا….الموت لاسرائيل”, الشعار الوحيد الذي لا يحق لهم تجاوزه, والذي لم يتغير طوال حربهم مع قوات بلادهم ومع جيرانهم من السعوديين, فقط لاثبات مقولة نجاد ” اننا قوة كبيرة في المنطقة لا يمكن تجاوزها”, المكر والخداع الايراني حقيقة لا يحتاج المرء إلى ان يكون على درجة من الفطنة والذكاء ليكتشفه, فمحمود أحمدي نجاد وهو يتهم السعودية أخيراً بتأجيج الحرب في اليمن, حاول ماكرا تشويه الحقيقة الصارخة للحرب التي تجري في اليمن وعلى الحدود اليمنية- السعودية, تلك الحرب الايرانية الصرفة التي تقف وراءها ايران ويدفع فاتورتها الاخر اللاايراني .
“تيقنوا ان العجم لو منحوكم العسل, فانهم يدسون السم فيه” نصيحة من قاضي محمد رئيس جمهورية “مهاباد” الكردية, أوصى بها شعبه في رسالة طويلة تضمنت جملة من التوصيات, يحذرهم فيها من مكر الفرس ونفاقهم, قبل اعدامه في اواخر مارس عام 1947, قد يعتقد البعض ان من الاجحاف اتهام ووصم شعب بكامله بالخداع والمكر, وربما معهم الحق, لكن ما يمارسه النظام الايراني من سياسات اقليمية ودولية مراوغة تبيح كل المحرمات, يجعل المرء يميل الى تصديق ما يقال عن مكر الفرس وخداعهم, لكن ولان العدل قسطاس, ورحمة بايران الفارسية الطائفية, لا اتفق مع من يتهمون ايران بالتوسعية, فايران “توسعية” بما فيها الكفاية, ولا تحتاج لتكون توسعية اكثر مما هي عليه اليوم, فهي تحتل الجزر الاماراتية بالاضافة الى سيطرتها على اقاليم عدة تسعى إلى الانعتاق والتحرر كاقليم خوزستان وبلوشستان وكردستان ولورستان, وكان احرى بهؤلاء اتهام ايران بالعدوانية والتطرف, لكانوا اكثر دقة وموضوعية, فالسياسة الايرانية تقوم على مبدأ انا ومن بعدي الطوفان, وكل ما تمارسه ايران من سياسات داخلية وخارجية لا يهدف الا للحفاظ على بقاء نظامها المتخلف وكيانها اللاعصري والمتطرف, اما المقاومة والممانعة الايرانية للغرب واليهود والاميركيين فهي سلعة مزورة, بالضبط كالراديو الذي تحول فجأة وبقدرة قادر الى علبة لا حياة فيها, لن يشتريها احد في قادم الايام لا بمئة دولار ولا حتى بدولار .

d.mehma@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…