دوائر الكذب الإقليمي (تركيا نموذجا)

فرحان كلش

تعتبر أنظمة الحكم في الشرق الأوسط من اكذب الأنظمة في العالم، وبالمقابل تعتبر شعوب المنطقة وفي مقدمتها الشعب الكوردي الحاضن الحيوي والمتبني الأصلح لهذه الأكاذيب بحكم التربية القسرية الطويلة الأمد.

ربما لم تنته مسبحة الوعود الطويلة التي تسحبها بعض الحكومات التركية لحل المسالة الكوردية، وآخر هذه الوعود الالهائية ما تداولته وسائل الإعلام المختلفة عن نية الحكومة التركية (العسكر سلامية) لحل هذه المعضلة والتي تؤرق الأوساط المختلفة وكل حسب أهدافه ونياته، والتركية على وجه الخصوص
 وخاصة منذ بداية ثمانينات القرن الماضي والكفاح المسلح الذي صبغ المرحلة ولمدة أربع عقود بلونه وأرخى بنتائجه السلبية والايجابية على لوحة الصراع الإقليمي وأسس لكثير من التباينات حسب موقع المحلل من الأحداث وهذا ما دفع الأوساط المختلفة داخل تركيا وخارجها كما اشرنا للاهتمام بالقضية الكوردية في تركيا، كل حكومة تأتي تتعاطى انتخابيا مع هذه القضية، وبشكل مناسباتي صرف دون أن يطرح احد حلا شاملا حتى في اطار ديمقراطيتهم المزعومة والتي يمكن فرملتها حسب (مصالح الدولة العليا).

ومع مجيء اردوغان بفترة اخذ يقلب أوراق دولة الخلافة الأخيرة، فطرح فكرة مشروع للتسوية، أساسه تحسين البنية التحتية في المناطق الكوردية، وفتح أبواب البرلمان لممثلي الكورد، وإطلاق قناة تلفزيونية بمواصفات خاصة…….وهكذا.
غير أن الحل الجذري المكرس بالدستور لم يأت حتى في الحملات الانتخابية أو كزلات لسان، كما هو شائع لدى نخبة من الحكام الأشاوس، واعتقد بان الحكومة التركية ذات خصائص توسعية ولكن بمنطق حداثوي وعولمي، وأحيانا بمنطق همجي ووحشي وذلك حسب المصالح الطربوشية، وكضرورة لهذا الاتجاه و من لوازم الايتيكيت الإعلامي والدبلوماسي المرافق وضمن مشروع الكذب الإقليمي العام والداخلي الخاص كان منطقيا أن تطرح القضية الكوردية كورقة على الطاولة وذلك يهدف كما أتصور إلى:
– سحب البساط من تحت أقدام حزب العمال الكوردستاني (اليد الفاعلة للأكراد) وبأسلوب الضغط الحضاري المدني كما يبدو الأمر ظاهرا والقبول الشكلي ببدائل له تتمثل بحزب المجتمع الديمقراطي الكوردي.
– جر الكورد إلى لعبة الديمقراطية التركية بما لها وما عليها.
– كسب العنصر التركي من خلال سياسة لفلفة القضايا وطرح حلول شكلية وإشكالية للقضية الكوردية، هذه الحلول بالذات ستكون مثار جدل داخل الأوساط الكوردية والتركية لتبدأ لعبة التسويات الهادئة ضمن إستراتيجية ما يمكن تسميتها ب(الغرق في الثانويات).


– كما وان هناك غايات خارجية واضحة تتعلق بالعلاقة مع أوروبا، وصورة تركيا بما ينسجم مع دورها اللاحق.
غير أن ما خطط له فاشل لأنه ببساطة لم يستند إلى منطلقات واضحة في التسوية، وهذا الطرح ما زال موضع خلاف عميق في الوسط التركي، ثم أن المستند السياسي الكوردي (حزب المجتمع الديمقراطي الكوردي) أولا طرحه ما زال يفتقد الى الشمولية الوطنية التركية، حيث طرح نفسه كحزب للكورد فقط واعتقد بان حظره يلاقي الدعم من أوسع فئات ممكنة في الوسط التركي، وأمر آخر هام جدا وهو أن هذا التنظيم كان كائنا برأس ديمقراطي وجسم (القاعدة الجماهيرية) حزب العمال الكوردستاني، وأتصور بان نصف قرن من الصراع المسلح فرض هذه المعادلة ولم يكن بالإمكان تجنب هذا الاختلاج في الظرف الراهن.
لقد جاء قرار المحكمة الدستورية العليا بفكفكة هذا الكائن إلى جزأين ويعيد كل جزء إلى موقعه السابق، الجماهير إلى أحضان حزب العمال بانتظار رأس جديدة في اللعبة المتاحة والقيادات إلى اوساطها الاعتيادية، جاء القرار سياسيا صرفا ولسببين جليين ومتداخلين:
استند القرار إلى قانون الإرهاب غير أن الملاحظ أن أي حكم بالسجن مثلا لم يصدر خلاف بعض المعلومات التي تفيد بسجن أحداث بأكثر من أربعة وأربعين عاما واكتفى القرار بتفكيك هذا (التنظيم الإرهابي)، وهذا ما يحيلنا إلى السبب الآخر المتمثل في أن تركيا لا تقبل سلوك الكوردستاني وقد يكون هذا طبيعيا، غير أن ما هو غير الطبيعي هو رفضها الواضح انخراط الكورد في لعبة الديمقراطية أيضا وهذا دفع المحكمة الدستورية (العسكرية) إلى سحب أوراق اعتماد الكورد من السياسة التركية.
اعتقد بان الزمن المسخ بالمفهوم التاريخي دفع الكورد إلى مجارات الأنظمة والإقبال عليهم في كل مرحلة من إحدى الجهات ، وبالمفهوم القومي التاريخي الصرف أقول بان الكورد خاسرون بدخولهم دهاليز الديمقراطية التركية، الا بمعطيات خاصة، لان الديمقراطيات التفصيل على المقاس القومي أو الطائفي…….بمثابة غرف بمواصفات معينة، الداخل إليها حرّ بالتحرك حسب مسافات وتباعد الحيطان والديكورات المتوفرة ولكن محكوم بالإقصاء والإنهاء كل من يحاول طرح بدائل وشروط التحرك، واعتقد بان البحث الكوردي عن الديمقراطية في تركيا ناجح في حالة واحدة، عندما تكون يده اليسرى مسلحة والأخرى مستعدة لتوقيع اتفاقيات التساوي في الإدارة والتملك، فكون القوي يملي شروطه فان الدرس البليغ الذي يخبرنا التاريخ عنه ، إن ما تم في كوردستان العراق ما كان ليحصل لولا الثورات المتتالية، ودروس الانكسارات والانتصارات، لذلك فالانتفاضات والمفاوضات هي ثنائية الحرية والديمقراطية أيضا.
Dilyar2006@hotmail.com

 12/12/2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…