مجلس في اليد أفضل من مرجعية على الشجرة

يونس قدري
 
جاء أخيراً مشروع المجلس العام للتحالف الكوردي في سوريا لعقد مؤتمر وطني كوردي بعد انتظار طويل، في الوقت الذي لا تزال فيه المشاورات والمناقشات قائمة بين “9” أحزاب أخرى لتشكيل مجلس سياسي كوردي في سوريا.

لكن التوقيت الذي أختاره كل من الحزبين “التقدمي” جناح حميد درويش و”الوحدة-يكيتي” جناح إسماعيل عمر ليطرحا مشروعهما حول مؤتمر وطني كوردي في سوريا يثير مخاوف رئيسية حول مدى تأثيره في المناقشات القائمة بين الفصائل الـ”9″ التي تتحاور لتشكيل مجلس سياسي كوردي.
لقد أدرك كل من الحزبين (التقدمي و الوحدة) أن تشكيل مجلس سياسي كوردي يضم “9” أحزاب سيكون له وزناً لا يمكن تجاهله في المعادلة السياسية خصوصاً فيما يتعلق بالمشهد الكوردي في سوريا لعدة أسباب أهمها أن هذا المجلس سيضم معظم الأحزاب التي باتت تعرف بالميدانية لما لها من نشاطات مرتبطة مباشرةً بالشارع ونبضه.
لذلك فإن توقيت طرح هذا المؤتمر يمكن أن يؤخذ على أنه إجراء تشويشي من قبل الحزبين على المشاورات القائمة بين الأحزاب الـ”9″ الأخرى خصوصاً إذا لاحظنا أعداد المستقلين التي حشدها التقدمي في يوم الجمعة 20/11/2009  ليوحي للآخرين بأنه يمتلك شرعية أكبر تمكنه حينها من التشويش أكثر على المشهد الآخر في الضفة الأخرى.
احتمال آخر متعلق بمسألة التوقيت وهو أن يكون التقدمي والوحدة قد أدركا جيداً أنهما باتا يرقصان وحدهما بعيدا عن مجريات الأمور في الجانب الآخر وقد تكون هذه محاولة منهم للحاق بالركب، وإن كنت أستبعد جداً هذا الاحتمال في قراراتي لما يحمله من احتمال حسن النية من جانب الحزب الديمقراطي التقدمي.
الاحتمال الأكبر هو توجيه ضربة لفكرة المجلس السياسي وضرب كل وشيجة حزبوية أو سياسية تربط بين  الأحزاب الـ”9″ التي من المفترض أن تشكله –أي المجلس السياسي-، ليعيد كل من التقدمي والوحدة تركيب تلك الارتباطات وفق ما يرونه مناسباً لهم من قبيل الإطار الرباعي الذي سبق وأن تم طرحه.

كما وتبدر للأذهان عدة تساؤلات حيال هذا الطرح الذي تأخر كثيراً وجاء في النهاية يدحرجه أصحابه وقد حشو بأنفسهم عجلات مشروعهم بالعصي منذ اللحظة الأولى، من خلال ما قدموه من شروط وثوابت لعقد هكذا مؤتمر، وما إعلانهم بأن التحضير لعقد مؤتمر وطني كوردي “لا يتعارض مع مبادئ إعلان دمشق” سوى من قبيل وضع العربة أمام الحصان..
وبغض النظر عن مدى موافقتي على مبادئ إعلان دمشق، لكن ما معنى أن تتم الدعوى لعقد مؤتمر وطني كوردي في سوريا من المفترض أن تتمخض عنه مرجعية كوردية لاحقاً، إذا كانت مرجعيته أصلاً هي مبادئ إعلان دمشق؟! فلتكن حينها وثيقة إعلان دمشق للتغيير السياسي هي المرجعية الكوردية إذاً, ولا حاجة ليسمع المواطن الكوردي اليائس جداً من السلوك السياسي للأحزاب الكوردية كل هذه الجعجعة بين فينة وأخرى دون رؤية ذرة طحين.
يعلم جيداً كل من الحزب الديمقراطي التقدمي وحليفه حزب الوحدة أن لجنة التنسيق لن تقبل بمبادئ  إعلان دمشق الحالية وأنها سبق وطالبت بتعديلها، فهل يرمي المجلس العام للتحالف إذاً إلى إخراج البارتي الديمقراطي الكوردي في سوريا بقيادة الدكتور عبد الحكيم بشار من دائرة المجلس السياسي الكوردي على اعتبار البارتي مؤسس وموقِع على مبادئ إعلان دمشق مسبقاً وبهدف إعادته إلى أحضان (الاعتدال) السياسي كما يحلو للتقدمي وصف نفسه.
لقد أثبت الشارع الكوردي وحدة صفوفه خلال عدة محطات أساسية أهمها انتفاضة 12 آذار 2004 بينما بقيت القيادات الحزبية مشتتة رغم الرسائل العديدة التي وجهها لهم الشارع مراراً وتكراراً “وسواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون”،  ولتعي الأحزاب الأخرى والمثقفين والمستقلين جيداً بأن وحدة الصف الحزبي الكوردي هي خطوة في سبيل خلق وتمكين الوسائل والآليات التي تساهم في نيل ما يمكن من الحقوق القومية والسياسية للشعب الكوردي في سوريا فلا تنخدعوا باستعراض (حقٍ) يراد به باطل و واصلوا ما بدأتم به من مشاورات لـتأسيس مجلسكم السياسي وكما يقال مجلس في اليد أفضل من مرجعية على الشجرة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…