وفود السلام الكردية : دعم للإنفتاح أم مؤشر على إتفاق ؟

 زيور العمر

لا شك أن الكثيرين تنفسوا الصعداء , إثر سماع التصريحات التي أدلى بها أكثر من مسؤول تركي بشأن عبور مجموعات سلام كردية الى الأراضي التركية عبر معبر خابور بين العراق و تركيا .

الرئيس التركي وصف الخطوة بالجيدة و المهمة .

أردوغان أثنى على الخطوة , و حذر , في الوقت نفسه , من التصريحات اللامسؤولة من قبل أحمد ترك , الذي طالب بإتخاذ أوجلان عنوانا ً للتخاطب لحل القضية الكردية في تركيا .

أما وزير الداخلية بشير إتالاي , فقد توقع عبور مجموعات من 100 الى 150 أعضاء في المستقبل القريب
 و السؤال هنا : هل قرار إرسال وفود سلام كردية الى تركيا, مجرد رسالة دعم و تأييد من ال (ب ك ك) لجهود الحكومة التركية من أجل المزيد من الإنفتاح الديمقراطي على مطالب الكرد في تركيا , أم أنها ثمرة إتصالات جرت بين الحكومة التركية و ال (ب ك ك) , و التي من الممكن أنها أسفرت , على الأقل , عن تفاهم جنتلمان بين الطرفين , يلقي على عاتق كل طرف مسؤولية  إتخاذ خطوات بإتجاه الأخر , من أجل دعم و ضمان إستمرار مسار الحل السلمي للقضية الكردية ؟

المعطيات الأولية بدت مشجعة للغاية , و لعل أهمها كان قرار محكمة ديار بكر بإخلاء سبيل إعضاء الحزب العمال الكردستاني , لأن من شأن إبقاء هؤلاء رهن الإعتقال , و زجهم في السجون , أن ينسف كل مزاعم و إدعاءات التي تتحدث عن إتفاق أو تفاهم بين الحكومة و ال (ب ك ك) .

إعضاء الحزب الذين إستقبلوا من قبل الجماهير الغفيرة التي خرجت لإستقبالهم قالوا أن خطوتهم لا تعني إستسلاماً , و إنما رسالة سلام يوجهونها الى تركيا , و من أجل الدعوة الى المزيد من الخطوات في إتجاه مطالب الشعب الكردي في تركيا .

رئيس الوزراء التركي أردوغان إعترض على تصريحات أحمد ترك الذي دعا فيها الحكومة الى جعل عبد الله أوجلان مخاطبها.

إنزعاج أردوغان من هذه التصريحات , قد يبدو مؤشرا على نوع من التفاهم .

الحكومة تتحسس من التصريحات التي تشير الى ال (ب ك ك) و زعيمه عبد الله أوجلان , من منطلق أنها قد تسبب لها إحراجاً في هذا الوقت المبكر , من المسيرة السلمية للحل , في أوساط الرأي العام , و في مواجهة المعارضة القومية المتطرفة .


و مع ذلك يبقى السؤال الأهم : ما هو شكل التفاهم بين الحكومة و ال (ب ك ك) , و آفاقه , إذا كان  وفود السلام الكردية , إحدى ثمراته ؟
في السابق جرى الحديث عن معادلة  إلقاء الحزب سلاحه مقابل  عفو الدولة عن مقاتليه .

الإنتصار العسكري في الزاب في الشتاء الماضي , و الفوز الإنتخابي الذي حققه حزب المجتمع الديمقراطي في الإنتخابات البلدية من بعده , غيرتا المعادلة بالكامل .

الحكومة غيرت من نبرة صوتها العالي على موجة الإدعاءات السابقة , و اصبحت تتحدث بنبرة أخف , وأكثر عقلانية , و على الموجة القصيرة : إلقاء السلاح , و إستسلام عناصر ال (ب ك ك)  يساعد على المزيد من الإنفتاح الديمقراطي على الكرد .

كان هذا أخر تصريح لرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان.

و مع ذلك , حتى هذا الأمر لا يبدو واقعيا في أخر المطاف.

الإستسلام يعني الرضوخ و الإذعان.

في ال (ب ك ك) هنالك أيضاً من يتحفظ على الخطوات المتسارعة بإتجاه الدولة , و يثير لديهم , إرسال الوفود الكردية , حساسية , من منطلق أنها قد تصبح خطوات مجانية من جانبهم , مقابل رفض التحاور السياسي معهم.

إذا كان الحوار المباشر مع حزب العمال الكردستاني يبدو صعباً في الوقت الراهن بالنسبة الى أردوغان و حكومته , و كذلك صعوبة إستسلام مقاتلي و أعضاء ال (ب ك ك) للدولة , فإن إعلان ال (ب ك ك) إنهاء الكفاح المسلح  , و إختيار الوسائل السياسية للوصول الى الحل السلمي للقضية الكردية , مع تعهد الدولة التركية الممثلة حاليا بحكومة العدالة و التنمية  بإلإستمرار في إنفتاحها الديمقراطي على الكرد , قد يكون شكلاً واقعياً في هذه المرحلة للتفاهم , بإنتظار نضوج المشروع السلمي للحل , و خاصة في أوساط الراي العام التركي , و المشككين الكرد على حد سواء.
من المنتظر أن تقدم الحكومة التركية على خطوات أخرى بإتجاه الكرد في المستقبل القريب.

دلالات الإنفتاح التركي على كرده تتجاوز الحسابات الداخلية على المدى البعيد .

القوة في الخارج لا يستقيم مع الضعف في الداخل .

حتى تستطيع تركيا أن تلعب ادوارها الإقليمية بفعالية , عليها أن تجد حلولاُ للشروخات الداخلية .

التطبيع مع أرمينيا و اليونان , و توثيق العلاقات مع جوارها , و أخذ مكانة الريادة في الفضاء الإقليمي , تثير حفيظة العديد من القوى الإقليمية و الدولية.

تركيا مرشحة لتبوأ موقع مهم في المنطقة.

و حتى تواجه التحديات عليها أن تجد حلا لأهم قضية في داخلها : القضية الكردية.

23/10/2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…