التطهير العرقي يطال الشعب التركستاني (الإيغور)

توفيق عبد المجيد

إنه لأمر يدعو إلى الاستهجان والإدانة ، ويفضح النوايا الشريرة لأكبر دولة في العالم ، ضد شعب آمن مسلم يعيش في كنف إمبراطورية الصين القارة بمساحتها وسكانها الذين تجاوزوا المليار نسمة ، أمر يدعو إلى الاستغراب والتساؤل من أولئك الذين تتلمذوا في مدرسة ماوتسي تونغ وثورته الثقافية ، وطروحاته التي كانت تنطلق من نظرية حق الشعوب في تقرير مصائرها تطبيقاً للفلسفة الماركسية اللينينية التي يبدو أنها لم تتوغل وتتجذر وتتعمق في الداخل الصيني ، ولدى أولئك الذين لم يقروا للغير أبداً بحقهم في تقرير مصيرهم ، وبخاصة الشعوب المسلمة وغير الصينية نتيجة التباين الكبير بين النظرية والتطبيق على أرض الواقع .
فهاهم قطعان الإمبراطورية الصينية المعبؤون بالحقد والشوفينية يقتحمون معسكرات العمال التركستانيين الصينيين وبموافقة ضمنية غير معلنة من السلطات المحلية ، ويقتلون العشرات منهم في وضح النهار ، وها هي السلطات الصينية المسؤولة تعالج الوضع بجريمة أفدح فتقتل أعدادً أخرى قدرت بالمئات من المتظاهرين الذين خرجوا محتجين على قتل الأبرياء ، بسبب سياسة التطهير العرقي ، والتمييز العنصري الواضحة المعالم والممارسات ضد هذا الشعب المسلم المسالم منذ منتصف القرن العشرين وحتى الآن .
لقد غيرت السلطات الصينية (الشيوعية) حتى اسم المنطقة وسمتها إقليم شن جيانغ ، ومنحتها حكماً ذاتياً اسمياً ومبتوراً مفرغاً من معناه ومضمونه ومحتواه ، لتتظاهر أمام العالم المتمدن المتحضر بأنها لا تفرق بين شعوبها في الانتماء القومي والمعتقد الديني ، لكنها والحق يقال والواقع يؤكد أنها حجبت عن الشعوب غير الصينية حتى حرية العبادة ، ووصفت الأعمال المناهضة للتطهير العرقي ، والأصوات المحتجة على قتل المتظاهرين تحت العلم الصني بأنها موجهة من الخارج ومسيسة ، وفرضت على المنطقة نظاماً عسكرياً قمعياً صارماً ، وحجبتها عن العالم ، وضربت حولها طوقاً من التعتيم الإعلامي لكي تستفرد بذلك الشعب الذي لا حول له ولا قوة ، ويعجز عن إيصال صوته إلى العالم الديمقراطي مستغيثاً ومستنجداً ، فلم يجد سوى العلم الصيني يحتمي به ويستظل بظله ، في دلالة واضحة على نواياه السلمية ومطالبه العادلة .
ولكن مما يؤسف له هذا السكوت الطويل من منظمة المؤتمر الإسلامي والدول والشعوب المسلمة ، إلا ذلك الصوت الخجول الذي صدر عن الحكومة التركية فكان كصرخة في واد عميق ، ولم يكن فعالاً وبمستوى المسؤولية ، لأن تركيا ذاتها تضطهد شعوباً مسلمة أخرى وقوميات يربو تعداد سكانها على عشرات الملايين كالقومية الكردية والشعب الكردي ، ولم يصدر حتى الآن أي صوت من الجارة المسلمة إيران يندد بالممارسات القمعية للسلطات الصينية ضد ذلك الشعب المسلم في مؤشر واضح على تناقض أوضح بين المصلحة العليا للإمبراطورية الإيرانية والسكوت العلني على قمع شعوب مسلمة مضطهدة تتعرض للإبادة .
فإلى متى تضطهد هذه الأنظمة الشمولية شعوبها ؟ وإلى متى سيبقى هذا الصمت الإسلامي والدولي والعربي ؟ وإلى متى تحجب الحقائق عن العالم ؟ وإلى متى تشوه هذه الحقائق وتطلق الأحكام المسبقة الصنع على الشعوب المطالبة بحقوقها المشروعة ؟ وإلى متى يوصف نضالها العادل بأنه مسيس وموجه من الغير؟ أسئلة مشروعة تلح علينا للإجابة عنها ونحن نعالج موضوع تركستان الشرقية التي صادرت السلطات الصينية حتى اسمها واستبدلته بـ إقليم شن جيانغ  

21/7/2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…