عندما تصبح الوشاية منهجا في المجتمع

فيصل يوسف

 الأخلاق ، العنوان الأبرز،الذي طالما تشبثت به الشعوب، والذروة التي في منتهى العلو، وقد حثت عليها جميع الأديان ونادى بها المصلحون، على اختلاف الأزمان والدهور، فهي أساس الحضارة، ووسيلة للمعاملة بين الناس، وقد تغنى بها الشعراء في قصائدهم، ومنها البيت المشهور للشاعر أحمد شوقي:
       ((وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ….

فـإن هُمُوُ ذهبــت أخـلاقهم ذهــبوا))

فالنظام الأخلاقي الفاضل المعمول به، في مجتمع ما، هو الأساس لحمايته من النزوع نحو التسلط ، والغطرسة والاستغلال والاستبداد، “لأن جميع العلاقات الاجتماعية والإنسانية هي ذات بعد أخلاقي، بل ذات محتوى أخلاقي”، وان انتهاك النظام الأخلاقي في المجتمع ليؤدي لإصابة الأنظمة الأخرى تباعا بالفساد، واتساع رقعته، دون رادع، أو وازع من ضمير ووجدان, فالضمير والوجدان, لهما الدور الأعظم  كقيمتين أخلاقيتين ,في مواجهة الانحطاط والانحراف والتعدي على حقوق المجتمع، والأفراد، قبل أي محكمة، وهيئة رقابية تفتيشية.
والمجتمعات العربية المبتلية بالفساد، ما كان له أن يحدث ويترك عليه كل هذه الندبات الواضحة في مختلف أجزاء جسمه، لو تمسك أفراده بمنظومتهم الأخلاقية، والذي أصابه الخلل كنتيجة لسيادة الشمولية والاستبداد في علاقات الناس ببعضهم بعضاً، أو في علاقة السلطة بهم، ولسنوات طويلة، ما أفرز البلادة واللامبالاة تجاه المصالح العامة، وطغيان المصالح الذاتية، والسعي لتحقيقها  بأي ثمن كان، ويكفي التدليل على ذلك بواقع أن المجتمع انقسم الآن إلى: “راشين ومرتشين ورائشين بينهم، وإلى وشاة، ومخبرين، مأجورين، ومتطوعين، وموشيُّ بهم، ومخبر عنهم، في ظل ثقافة “حلال على الشاطر” حيث الشاطر الذي  هو الذي يرتشي بلا خجل، ولا شعور بالإثم، والعار، ومن هو المخبر الواشي الذي يعتبر الوشاية واجباً ثورياً، لأنها تندرج في باب الدفاع عن الحزب، وعن الثورة، ضد أعدائهما، ومن هو المقتدر الذي يسطو على المال العام، وعلى الملك العام، لا يخشى رقيباً ولا حسيباً” …..!
لقد انعكست ظاهرة الفساد الأخلاقي، والمتمثل في الاستزلام، والتبعية، والولاء الشخصي، والوشاية، والكيد، والانتقام، على شكل العلاقات الاجتماعية، بديلاً عن الإيثار، والغيرية، وحماية كرامة المواطن، والقانون، نظراً لأن الشمولية صفة لازمة في المجتمعات العربية، فإنه، وبالضرورة أن يكون القمع والأجهزة الأمنية أدوات رئيسة في طريقة التعامل مع الناس، فعندما تقمع الحريات العامة ويمنع تشكيل الأحزاب السياسية، يصبح كل من ليس مع السلطة ضدها، ويغلب طابع العلاقة الحربية في المعادلة الاجتماعية والسياسية، على الرأي والرأي الآخر، و على مستويات عديدة في العلاقات الشخصية بين الأفراد، و في داخل القوى السياسية في السلطة، أو المعارضة، و في صفوف المجتمع الأهلي والمدني والديني.حيث بات واضحاً للعيان أي حال آلت إليه درجة الأذية اللاحقة بالقيم الأخلاقية، والتي أصبحت تأخذ منحىً خطيراً جداً، لما يرتب عليه من آثار تدميرية في بنية المجتمع، وسلمه الأهلي، ووحدته، فعندما تنتفي الشفافية، وحكم القانون، والمؤسساتية، مثلما هو عليه واقعنا الحالي، فلابدّ أن تسود النفعية الأنوية والانتهازية، والسعي للكسب الشخصي، بالوسائل غير المشروعة، ولو جاءت على حساب شقاء الملايين من الناس، وخراب الوطن، وإهدار حقوق المواطن، والعبث بإنسانيته، التي يجب أن تكون الغاية، والهدف، وفوق أي مصلحة مادية.
إن السلطة في الأنظمة الشمولية هي التي تمتلك من عوامل القمع والقوة لتواجه الرأي المخالف معها، بأساليب شتى، ومن البداهة أن تعمل أجهزة السلطة على معرفة تفاصيل الحياة السياسية والثقافية، والاجتماعية، في مجتمعاتها، وبشكل خاص، من ليس معها، وهي من أجل ذلك، تلجأ إلى الاستعانة بأناس غير موظفين بأجهزة الأمن بشكل رسمي، وهم من أدرج على تسمية أحدهم  ب”المخبر” أو العميل، وتعتمد على وشاياتهم في اتخاذ القرارات في أغلب الأحيان، وهكذا تصبح الإخبارية، (الوشاية)- والتي في معظمها غير دقيقة وغير واقعية- بل تنشد حالة إرضائية للجهة التي أوعزت لها بمهمة الرصد، وتقديم المعلومات، منهجا في الحياة الاجتماعية, وتكون الضحية إقصاء الرأي الآخر، والمزيد من القمع، وخلق أعداد هائلة من أناس فقدوا إنسانيتهم  وهم جيش  :(المخبرين) من ارتضوا لأنفسهم  بهذا الدور الوضيع، المنبوذ ، الذي هو نتاج افتقاد الضمير الأخلاقي.
ولعل هذا الجيش ، المشار إليه ، يتصرف- عادة- بوعيه الذاتي، الكامل، وجل اهتمامه” إيذاء الآخر” ، بغية الحصول على مورد مالي، كثير،أو قليل القيمة، لأن علاقة المخبر بالآخر هي من أسوأ ضروب العلاقات بين الأنا والآخر، إذ لا وجود للمخبر، دون الآخر، فالآخر في وعيه طريدة، وسبب ضروري لوجوده، ومصدر رزقه، ولكن عبر علاقة ثاقبة للآخر.

والآخر هنا، ليس مجرد فرد بعينه، بل الآخر بما يحمله من قانون أخلاقي، وعرف  اجتماعي، وقيم سائدة، تحافظ على وجوده دون أذى.

 
 لقد تأصلت ظواهر: المخبر- الاستزلام – مفهومية إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب، في مجتمعاتنا، بفعل السنين العديدة من إقصاء الرأي الآخر، والاستبداد، وتمكنت من إزاحة الرجل المناسب من المكان المناسب، في العديد من المفاصل المهمة، والرئيسة في الدولة، والمجتمع، والأحزاب، واستعيض عمن هو جدير، مناسب، بمن يجيد الولاء الشخصي، وفن النميمة، والنفاق، والكذب، وإنه لمن المؤسف أن تنعكس هذه الحالة من الممارسة على الحياة العامة، وباتت تستخدم كمنهج في دائرة العمل الاجتماعي، والسياسي، من قبل فئات وأشخاص، ليسوا في مواقع السلطة الرسمية، بغية استدامة وتعزيز نفوذهم، في مجالات عملهم, وهكذا تتسع دائرة الفساد الأخلاقي والشكوك والريبة والعداء والكراهية، وفقدان الروح الإنسانية في المجتمع، لأن هدف المخبر (الواشي)، والانتهازي، هو تحقيق المأرب الشخصي ،من جهة، وإلحاق الأذى والضرر بالناس وإفساد العلاقات الإنسانية، من جهة أخرى ، لأنه – أي المخبر- يفتقد في وعيه الذاتي على أنه إنسان، وينظر للآخر على أنه كذلك، وتتحول علاقته مع الآخرين إلى علاقة شيء بشيء لايفرق بين هذا وذاك، كل واحد طريدته، حتى أقرب المقربين إليه ، بما في ذلك من له صلة رحم بهم، من أفراد عائلته، أو مجموعته السياسية، أو الاجتماعية.

لاشك أن مواجهة حالة الفساد الأخلاقي، بتجلياته العديدة، في المجتمع تحتاج إلى تضافر جهود عديدة من طبقات المجتمع عامة ، وهذه الخطوة بالذات لاتأتي الا بإشاعة الحياة الديمقراطية والشفافية، وحرية الرأي والتعبير، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وتوطين الممارسة الديمقراطية في العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية،وفي الأنظمة الداخلية لمنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، وعلى كل الصعد، وصولاً لإزاحة منهج الشمولية، ونتائجه الكابحة لتطور المجتمع نحو الأفضل .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…