مظلة الاستبداد الرسمي والمستقبل الغامض**

مشعل التمو

بعد تراجع المشاريع القومية العربية والأممية، و بدء ظهور فكر وأحزاب في سوريا تستند الى شعار “سورية أولا ” بعيدا عن المشروعيات التقليدية، ترافق ذلك مع صعود واضح للتيارات الاسلامية والكردية ، وسط تسارع المتغيرات الداخلية والدولية، و اعادة صياغة المنطقة في اطار الدول الوظيفية ؛ نتوجه لكم بالسؤال عن المسار الذي ستتخذه سوريا، وما يمكن ان تؤول اليه في المستوى الداخلي، وفي مستوى علاقاتها الاقليمية والدولية.ثمة بداية لمسار مستقبلي سوري , أسسه الاستبداد ووضع لبنته الأولى القمع العاري والمقنع , وأتم بنائه العقل الفرداني وثقافته الواحدية , والمستندة بنفس الوقت إلى موروث ذاتوي متضخم , أعيد إنتاجه مرات ومرات ليخدم ديمومة السيطرة على مقدرات البلدان ومصائر الشعوب , حتى بات يشكل خللا بنيويا على صعيد الثقافة أولا , وعلى صعيد بناء الإنسان وتكوين الوعي بالوجود الإنساني ثانيا .

في الخمسينات وقبل سيطرة المشروعيات الثورية , كان المجتمع السوري متماسكا في اغلبه , تتعايش جميع مكوناته في إطار تعبيرات سياسية , أو قبلية , لكن السمة الأبرز والجامع الأوحد كان مفهوم الوطن السوري كمتحد يجمع أبنائه ويساوي بينهم , ومع تضخم القوموية العروبية , التي توجت بانقلاب حزب البعث وسيطرته على المجتمع , بدا التدمير المنهجي لبنى وقيم وثقافة سوريا , وبالتالي وصلت البلاد بعد فترة طويلة من الاستبداد والفساد والإفساد وتفتيت المجتمع إلى تعبيرات ما قبل مدنية , إلى حافة الهاوية .

إن إخراج السياسة من المجتمع , والإبعاد العنفي للناس عن المشاركة بالشأن العام , أو بما يتعلق بمصيرهم وحياتهم ومستقبلهم , شكل راهنا , فاصلا مخيفا بين جماهير الشعب السوري , وهوة يصعب جسرها فيما لو استمرت ثقافة المعتقدالأمة , وهي ثقافة تزرع الفتنة والتفتت , وتلقى تشجيعا من الكثير من الجهات الرسمية , وحتى أغلبية المعارضة العربية , التي تنهل من ذات الفكر المؤسس لثقافة قاطعي الرؤوس , بمعناه المجازي , فنفي وإنكار وجود الآخر ومحاولة صهره وتعريبه , هو قطع للرأس , مثلما هو وأد لمفهوم الإنسان المختلف في قوميته أو دينه .

إن استخدام منطق تيارات قطع الرؤوس , سواء من قبل السلطة أو من قبل بعض المعارضة , كعلاج وحل للازمة البنيوية التي أوصلنا إليها نظام الاستبداد , أمر في غاية الخطورة , لما يشكله من ثقافة سياسية مفتتة للمجتمع فوق ما هو مفتت , خاصة وان مجتمعنا متعدد القوميات والطوائف والمذاهب , وبالتالي يدفع باتجاه التناحر والتطاحن وليس التعايش والتشارك .

اعتقد بان الموجود في الداخل السوري , مواقف وممارسات سياسية , ناظمها العدمية والانهزامية , بحكم أنها منتجات لمستوى ثقافي متدني وطوباوي, وهي ثقافة لا تحمل أية ملامح مستقبلية ايجابية على صعيد التعايش المشترك في مجتمعنا , بل تحمل النقيض , المزيد من الاغتراب , والمزيد من التفتت , والمزيد من الضحايا الأبرياء , بينما يكمن البديل في تغيير الأدوات والعقليات والمناهج التربوية , والاهم وجود تعبيرات مجتمعية مدنية , تحمل مشروعا نهضويا , يقوم على بعض الركائز , منها الحريات الفردية وترسيخها في وعي وثقافة وسلوك الناس , كنقيض لما تم زرعه وترويجه , إذ لا يمكن إنقاذ مجتمع يكون فيه الفرد مهانا ومهمشا ومقصيا ويتوزع انتماءه بين العشيرة والطائفة , وبالتالي تأسيس حس جماعي ينطلق من عقد اجتماعي جديد , يكون قاعدة بناء وطن , يسمى سوريا .

إن مهمة بناء الداخل وتوجيهه وجهة مدنية , حضارية , تتطلب وعي بالديمقراطية , وثقافة إنسانية جامعة , وبالتالي هناك فاتورة ستدفع شئنا أم أبينا , ولكني اعتقد بأنها ستكون في حدودها الدنيا , فهناك الكثير من الطاقات السورية المغيبة , وهناك موروث التآخي والتعايش , وهناك الحرص على بناء سوريا ديمقراطية , تكون لكل أبنائها , قد لا تتواجد ظاهريا هذه المواصفات , في بعض المعارضة , لكنها ستتواجد في غيرها , عندما يحتاجها المجتمع السوري.

ولعل مستوى التوجه الداخلي , يرتبط إلى حد كبير بمستوى التوجه الخارجي , خاصة وان ثنائية الداخل والخارج باتت في عصر العولمة متشابكة ومترابطة ومؤثرة ومتأثرة , وإذا كان الإرباك والتخبط الرسمي واضحا تجاه الخارج , فهذا ناتج عن انتهاء وظيفته الإقليمية , التي اكتسبها بحكم موازين القوى الدولية السابقة , وهي الموازين التي لا يستطيع العقل الأمني أن يصدق بأنها انتهت , لذلك نراه يحاول اللعب بأوراق مختلفة , للإيحاء بعدم انتهاء دوره ووظيفته في خدمة المصالح الدولية .

اعتقد بان تشابك المصالح الدولية الباحثة راهنا عن ثقافة تتناسب مع تلك المصالح , وعن بيئة قابلة لها ومتجاوبة مع تطلعاتها , وضعت النظام الأمني السوري في وضع لا يحسد عليه , لان بنيته وطبيعة بناءه غير قابلة للتغيير , وهي سمة لكل الأحزاب الشمولية , الثابتة , والمرشحة للانهيار بمجموعها .

وعدم قدرة النظام على تغيير بنيته , وعدم قدرته على استيعاب متغيرات السياسة الدولية , إضافة إلى أخطاءه السياسية القاتلة ,الإقليمية , سواء على الساحة اللبنانية أو العراقية أو حتى الداخلية , وضعته خارج مستقبل اللعبة السياسية الدولية .

إن تصحيح العلاقة مع الخارج , تتطلب تصحيحا في الوضع السياسي الداخلي , وبالتالي تغييرا في الفكر السياسي الناظم للقراءة السياسية لمجمل متبدلات ومتغيرات المشهد الدولي , وهي استحقاق يحاول النظام تجاوزه بالاستناد إلى أوراق إقليمية , تشكل عبئا أضافيا عليه , لانتفاء أهميتها , وتفاوت الرؤية إليها , وتجاوز الزمن لها .

وإذا كانت المطالب الدولية تندرج في إطار المصالح , والاستجابة لها من قبل النظام , أمر في غاية الصعوبة , ليس في صعوبة الاستجابة , وإنما في تأثير الاستجابة على مستقبل وجود النظام الأمني نفسه , وخاصة أن هناك ملفات متعددة , بعضها أن ثبت تورط النظام السوري فيه , يعتبر وفق قرار مجلس الأمن , عملا إرهابيا ( اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري ) .

وفي هذا السياق , التخبط السياسي الرسمي , وسلسلة تحالفاته الجديدة- القديمة , مع إيران , ومع حزب الله , ومقتدى الصدر , والجهاد الإسلامي , وكلها تحالفات الضعفاء , وهي تشكل خطرا على مستقبل سوريا , كوطن , وان كان النظام يحتمي بها , لكنها ستكون مظلة مؤقتة , يقايض بها البعض بالبعض الأخر , مما يزيد العزلة وقد يعرض سوريا إلى المجهول , وبالتالي فالشعب السوري بحاجة إلى تصحيح كامل للعلاقة مع المجتمع الدولي , والالتزام بكل القرارات الدولية , فلا شرعية لنظام ولا سيادة إلا تحت مظلة الأمم المتحدة .

إن مستقبل سوريا وسوية علاقاتها الدولية , ترتبط بتغيير نهجها السياسي الداخلي , وهو التغيير الذي سيشكل ركيزة لقراءة جديدة يكون ناظمها مصلحة الشعب السوري وليس ديمومة نظام الاستبداد .

———
* الناطق الرسمي باسم تيار المستقبل الكوردي في سوريا
* خاص بالمشهد السوري

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي قاتل الكرد في سوريا بشجاعة، وهزموا “داعش” حيث فشل كثيرون، لكنهم حين انتقلت البلاد من الحرب إلى السياسة، وجدوا أنفسهم خارج الغرفة. هذا الإقصاء لا يمكن تفسيره فقط بتآمر الخارج، ولا تبرئته بحجّة “الظروف الدولية”. خطيئة القوة بلا سياسة امتلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) القوة العسكرية، لكنه أخطأ حين افترض أن الانتصار في الميدان يكفي لفرض الاعتراف السياسي….

د. محمود عباس الحلقة الثانية من سلسلة تحليلية.. بعد انكشاف البنية الجديدة للدولة العميقة العصرية في الولايات المتحدة، بدا الشرق الأوسط الميدانَ الأوضح الذي اختُبرت فيه هذه الاستراتيجية عمليًا. ففي هذا الفضاء المضطرب، لم تعد السياسات تُقاس بمدى اتساقها مع القيم أو القانون الدولي، بل بقدرتها على إنتاج الفوضى المُدارة، وضمان تدفق المصالح، ولو على أنقاض الشعوب والدول. الولايات المتحدة،…

د.عبدالحكيم بشار (Dr.AbdulHakim Bachar)‏ لسنا هنا في معرض التشفي أو توجيه اتهام سياسي لطرف ما، إنما لعرض الوقائع والحقائق التي تعبر عن نفسها بوضوح ودون مواربة. لتعريف قسد كجسم عسكري أدّى دورا سياسيا- أيضا- مع الحكومة السورية، لا بد من تعريف هذا الجسم، نشأته، أهدافه، وايديولوجيته. تعتبر قوات حماية الشعب وقوات حماية المرأة، النواة التي تأسست عليها قواة سوريا الديمقراطية”…

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…