اعتقال القيادات الكوردية في سورية إعادةُ إنتاجٍ لهمومٍ إقليمية

بقلم: أمجد إبراهيم

amjad_ib@hotmail.com

لم يأتِ اعتقال قيادات الصف الأول في أحزاب الحركة السياسية الكردية في سوريا مؤخراً وارد صدفةٍ، أو نتيجة لتحولات أساسية لتطلعات وبرامج هذه الأحزاب، إذ صار واضحاً أن أي تحرك خارجي للنظام السوري لابد أن يلقى بظلاله على المشهد السياسي الداخلي إما سلباً أو سلباً للغاية في بعض الأحيان.
فبعد عودة الرئيس السوري من زيارته إلى فرنسا، التي ربما -أي الزيارة- نبهت النظام إلى ضرورة الاهتمام بالحاضنة الإقليمية واختيار الأصدقاء الذين بإمكانهم حماية ظهر النظام بينما يمضي قدماً في مسيرة كسر الحواجز بينه وبين النوادي الدولية خصوصاً أنه يعتبر فتح أبواب الإليزيه من شأنه تمهيد وشق الطريق له نحو استعادة بعضٍ من المكانة الدولية المفقودة كلياً خلال ثلاث سنوات من العزلة والمناورات الباردة والساخنة على حد سواء على المسارح الإقليمية المجاورة والتي أمكن للنظام أن يثبت دوراً لا يستهان به من حيث امتلاكه لكثير من الخيوط في عمق الساحة الإقليمية، بدءاً من العراق وانتهاءً بلبنان.

لقد تمكن النظام السوري بما يملكه من وسائل وإمكانات من جعل نفسه شريكاً أساسياً في تقاسم الهموم الإقليمية ومشاركة القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا وأمريكا، في توزيع الأدوار ولم يتح لها أن تمتلك زمام المبادرة التامة بمفردها في المنطقة.
ولعله لن يجد أفضل من وهم الهاجس الكوردي من جهة أخرى، ليعيد إنتاجه وتقاسمه مع دول المنطقة وفي مقدمتها تركيا وإيران اللتان دون أدنى شك لن تترددا في منح الجار السوري كل ما بوسعهما من تعاطف، ليتمكن بدوره من وضع حدٍ لأضيقِ حلقات الدبكة الكوردية التي قد يصل إيقاعها إلى مسامع الجنرالات الأتراك أو حراس الثورة الإيرانيين.
لقد راح بضعة وثلاثون شاباً كوردياً خلال الأحداث المفتعلة التي شهدتها المناطق الكوردية في آذار 2004، واٌغتيل كذلك رجل الدين الكوردي المعروف “معشوق الخزنوي” في أيار 2005، تلاه مقتل المواطن “جنكيز حسين” خلال تظاهرة بمدينة القامشلي في2/11/2007  بعيد تصريحات الرئيس السوري في تركيا والتي أيد فيها الاجتياح التركي لكردستان العراق وأخيراً كان مقتل ثلاثة شبان أكراد خلال الاحتفالات بعيد النيروز من آذار الفائت ناهيك عن الاعتقالات الكبيرة التي رافقت كل تلك الأحداث، وعلى الرغم من كل ما جرى بقي الخطاب السياسي الكوردي محافظاً على خطه الوطني ولم يظهر أي تحول أو رد فعل قد ينعكس على السلوك السياسي للنشطاء الأكراد بل على العكس زادهم تقرباً من القوى الوطنية العربية المعارضة في دمشق، فما الذي سيضيفه إذاً اعتقال سكرتير الحزب اليساري الكوردي “محمد موسى” واختفاء الناطق الرسمي لتيار المستقبل الكوردي “مشعل التمو” إلى كل ما سبق سوى جني التعاطف التركي الإيراني بشكل خاص، بعد أن تم بنجاحٍ نفخُ الخطر الكوردي وتقاسمه معهم!؟.
لقد دأب الأكراد السوريون مراراً على تأكيد هويتهم الوطنية السورية ولسنا بحاجة في هذا المقام سوى التذكير بالاحتجاجات الكردية التي تشهدها العاصمة دمشق ومناطق تواجد الأكراد، بين فينة وأخرى، للمطالبة بمنح الجنسية السورية للمواطنين الذين جردوا من جنسيتهم على خلفية إحصاء عام 1962 الاستثنائي والذي جرى حينها في محافظة الحسكة السورية ذات الغالبية الكوردية.
ولكن عاملين أساسيين أديا إلى نشوء توجهات في قعر المجتمع الكوردي، نحو تصعيد الخطاب السياسي وإطلاق شعارات قومية كوردية نمت وكبرت في وجدان الأكراد السوريين رغم اتفاق معظمهم على عدم واقعيتها أو إمكانية تحقيقها أو حتى مجرد التفكير بها، ولعل العامل الأول والرئيسي هو استمرار القيادة السياسية في النظام السوري بتجاهل مطالب الأكراد وأبسط حقوق المواطنة التي حرموا منها لعقود طويلة ورفض هذه القيادة النظر في قضية الحقوق الثقافية والسياسية لهذه الفئة التي تمثل ثاني أكبر قومية في سوريا، أما العامل الآخر فهو تأخر المثقف والمعارض العربي السوري –مع وجود استثناءات- في التيقظ والانتباه إلى قضية الأكراد، حيث جاء إعلانه عن وجود الشريك الكردي الذي يجمعه وإياه وطنٌ واحد متأخراً جداً.
لكن هذا التلاقي رغم تأخره مرحب به ومقدرٌ لدى الشعب الكردي وحركته السياسية، المهم هو تفهم المواطن العربي في سوريا الحقوق المشروعة للشعب الكردي واستعداده للنضال معا جنبا إلى جنب في سبيل نقل سوريا إلى حالة مريحة من الحرية والديمقراطية تتحقق فيها روح المساواة والعدالة، كما تؤسس لسعادة المواطن السوري ورفاهيته، وهذا ما يسعى لتحقيقه كل مناضل مصون على أرض الوطن بعيداً عن العقلية القومية الضيقة، والتزمت والانعزالية، تلك الروح وتلك العقلية اللتان سادتا طويلا، وكانتا سببا للتنافر والتباغض، وشق صفوف الحركة الوطنية، وبالتالي ضرب مقومات الوحدة الوطنية التي ينشدها كل مواطن غيور.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…