أيها السوريون تصبحون على وطن شفَّاف

عمر كوجري

    دخلت الشفافية – كمصطلح – حديثاً إلى القاموس العام السوري، وتمفصلت كعنوان بارز وأساسي لخطاب القسم للسيد الرئيس بشار الأسد في مجلس الشعب عام 2000 إلى جانب مصطلحات أخرى حديثة مثل التحديث والتطوير والمعلوماتية.
    شمل هذا المصطلح المثقف والمتعالي عن السائد المعيق نواحٍ كثيرة في حياة السوريين.

الشفافية في إلغاء القوانين، والمراسيم الصادة للتقدم والرقي في البلد وفي العمل القضائي، وفي علاقة المسؤول مع مرؤوسيه، والشفافية الإعلامية في انفتاحها على الرأي الآخر شرط توافر السوية الوطنية والانتماء المتأصل، وفي التعامل مع المؤسسات السياسية غير المنطوية تحت لواء الجبهة الوطنية
وفي النظر إلى السجناء السياسيين وموقوفي الرأي باعتبارهم أصحاب رأي مختلف، وليسوا مجرمين ولا متهمين بالخيانات العظمى، وفي تعامل الأجهزة الأمنية مع المواطن على مبدأ الاحترام وسلوكياته وذلك باستدعائه رسمياً، وليس اقتحام منزله والسطو على هناءة نوم أطفاله وعائلته.
    بالفعل صدرت مراسيم رئاسية غزيرة حاولت جاهدة أن تقوض الرقابة والترهل في جسد الكثير من النظم والتعليمات التي فرملت الحياة العامة لحقبة زمنية طويلة.
والتي ألحقت الضرر الجسيم للقدرة الخلاقة والتوثب الصادق للإنسان السوري، فأضحى من جراء الممارسة الخاطئة للبعض أقرب إلى الشعور بالإحباط لتخوفه من شر ما ينتظره،  ورهبته من قول الحق.
وهكذا وجد إنساننا السوري نفسه غريباً عن وطنه، وغير فاعل حقيقي في معمعة الحياة واستحقاقاتها، وعلى التو باشرت مكنة التغيير بالعمل والدوران ، ولوحق الفساد والمفسدون على نطاق واسع، وشعر الإنسان السوري أنه على عتبة مرحلة تشي بالورود والأزاهير القادمة الكثيرة.


    غير أن التركيز على المسائل الحيوية لم يكن بمستوى النيات الصافية والرهانات، بل  همشت بعضها الجوهري .


فلم ترفع حالة الطوارئ المقيتة وغير المبررة موضوعياً، والتوقيفات العرفية لم تنته، وغيرها وغيرها .
  قدمت برامج ورؤى واجتهادات وأطروحات لإنعاش الوضع الاقتصادي المتردي، ورسمت آفاق غير واضحة الأبعاد والمعالم لانتشال العامة المسحوقة من غول الفاقة، دون أن يوازي ويتزامن هذا الاهتمام مع إصلاح الحالة السياسية المتصدعة منذ زمن طويل.

فقد ظلت السياسة وتداولها في غير المواجهة الرسمية بلا قانون ينظم عملها، ويضبط إيقاعها ورغم صدور بعض صحف الجبهة علانية والترخيص لبعض الصحف الخاصة، ظل الإعلام على مركزيته ووجهه الواحد الوحيد.


   ولم تستمر البسمة طويلا”على وجوه دعاة المجتمع المدني ، وعاد العبوس ينام على سحنات المثقفين ومنتدياتهم الثقافية الصرفة تحت ذرائع واهية لا يقبلها المنطق والعقل.
ويوماً فيوم سيشعر الإنسان السوري أن ثورة المعلوماتية والأتمتة والمصارف الخاصة والخصخصة لا تعنيه في جوٍّ من عدم الأمان على لقمته على الأقل.

فما الحاجة إلى تعلمه الكومبيوتر وأولاده ينامون على الطوى؟؟
   وعلى الصعيد الكردي وهذا ما يجب أن تتبناه المؤسسة الثقافية والسياسية العربية على الأقل غير الرسمية والموظفة إلى جانب هذه الحالة.
أقول: على هذا الصعيد لم يحدث انفراج تحت أي مسمى نسبي أو شامل، بل أن بعض الأوساط أمعنت الخناق على هذه الشريحة الواسعة والتي تشكل قومية ثانية في البلاد من حيث العدد، وبقيت كل الآلام والمشاكل التي عاناها، ويعانيها الكرد على حالها .
ولم يتم التحاور والتلاقي بين الرسمي والتنظيمات الكردية، وكان الكرد ينتظرون وقلوبهم مفعمة بالتفاؤل بحل كل مشاكلهم العالقة، وبقيت صرخات المعذبين في أدراج الرياح والتهميش.
والوضع الاقتصادي يزداد غلواً وظلماً بحق الغلابة من السوريين، في وقت يزداد في عدد الغيلان التي تأكل الأخضر واليابس، ولا تشبع.

تلك الغيلان التي ربطت مشروعها فيما وراء البحار، وتكدس أموالها ومصالحها هناك في البنوك الأجنبية، بينما الفريق الاقتصادي مرتاح بما يحصل للشعب السوري، وكأنه متآمر مع جهات إياها لإلحاق الأذى والألم بالإنسان السوري، حتى يقضي على ما تبقى من مكتسبات حققها السوريون بنضالهم لعشرات السنين، فأصبحت الكثير من المفاصل الهامة للبلد تنهشها تماسيح الفساد، ودعاة الخصخصة، فيتم علناً بيع القطاع العام عبر تخسيره وإفلاسه، ونهبه بشكل منظم، حتى يمرر هؤلاء مشاريعهم التي لا تصب في مصلحة الوطن والمواطن بأي شكل.

 
و…..

إلى أن تحل بالعصا السحرية كل المسائل التي تهم المواطن السوري أقول:
تصبحون على وطن جميلٍ وشفاف أيها السوريون.

  
emerkojari@hotmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ابراهيم برو ما تشهده محافظة الحسكة من حشد لبعض الشخصيات من العشائر العربية، وما يرافق ذلك من تصريحات تحريضية وعنصرية تستهدف الكرد، فضلا عن بعض الخطابات التي تروج لها وسائل الاعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، يمثل ظاهرة خطيرة تهدد السلم الاهلي والاستقرار الوطني. ولا يمكن تجاهل مسؤولية النظام البائد، كما لا يمكن تجاهل الانتهاكات التي ارتكبتها قسد وبعض الفصائل العسكرية المحسوبة…

روني علي وقفة .. ما يهمنا في الأحزاب والأطر الكوردية في غرب كوردستان هو مراجعة ماهيتها وكذلك مبررات وجودها والأهداف التي تسعى إليها … ففيما لو وقفت على مثل هكذا نقاط أعتقد سنتمكن من غربلة الواقع السياسي الحزبي وكذلك الارتقاء بالاداء النضالي .. أما غير ذلك سنبقى نعيش دوامة الانشقاقات والانشطارات والانسحابات.. لأنه باختصار حين لا يتمكن أي حزب من…

تتابع نخبة المثقفين الكورد بقلق بالغ التصعيد المتسارع في خطابات التحريض والكراهية والدعوات التي تستهدف أبناء الشعب الكوردي في سوريا، وما يرافقها من محاولات خطيرة لجر العشائر العربية والمكونات الاجتماعية إلى صراعات قومية لا تخدم إلا أعداء سوريا والساعين إلى تمزيق نسيجها المجتمعي. إننا نوجه تحذيرا واضحا وصريحا إلى كل من يسعى إلى التحريض ضد الشعب الكوردي أو استغلال اسم…

د . عبدالحكيم بشار ما يجري في محافظة الحسكة لا ينبغي التعامل معه بسطحية أو اختزاله في تفاصيل آنية، لأن تداعياته تتجاوز حدود المكان والزمان، وتمس جوهر الوحدة الوطنية والسلم الأهلي. فحتى إن لم يحقق التصعيد أهدافه المباشرة، فإنه يخلّف آثارًا لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتمثل في تعميق الانقسام داخل المجتمع السوري، وزيادة الاحتقان بين مكوناته. قد لا…