الكرد في سوريا بين النضال الوطني والقومي

فرحان مرعي
 
إن الظروف الاقتصادية السيئة التي مرت بها البلاد عموماً ومحافظة الحسكة خصوصاً هذه السنة وضع مسألة النضال الوطني الديمقراطي على المحك بالنسبة للكرد فجرت تساؤلات وتجاذبات واسعة في أوساط السياسيين والمثقفين وحتى عامة الناس حول اولويات النضال ،هل الأولوية للنضال الوطني أم للنضال القومي ؟
لو إننا استعرضنا حقيقة السياسات الاقتصادية التي جرت ونفذت هذه السنة (تحرير الأسعار ، رفع الدعم عن المواد الاستراتيجية) لوجدنا إن هذه السياسات رسمت وفق آليات وغايات مدروسة ساهمت فيها سياسيين وأمنيين وخبراء الاقتصاد و…..

-عكس ما يشاع إن هذه السياسات غير مدروسة واعتباطية – وهؤلاء يعلمون من سيتأثر ومن لا يتأثر من هذه السياسات
مثلاً : إن الحكومة السورية وفريقها الاقتصادي تعلم جيداً إن كارثة الجفاف التي حلت  على البلاد تضررت منها محافظة الحسكة أكثر من غيرها كونها محافظة زراعية كلياً وتعتمد على مياه الأمطار لأن نسبة المساحات المروية قليلة جداً- ويمكن في هذه المجال اخذ إحصائيات دقيقة من مراكز الحبوب عن كميات الحبوب الواردة إليها هذه السنة– ورغم ذلك وبدلاً من إن تقوم الدولة بتعويض المزارعين عن خسائرهم التي لحقت بهم جراء كارثة الجفاف أسوة بدولة مجاورة مثل تركيا – قامت برفع أسعار المحروقات، المازوت، الغاز و المواد التموينية …) مما أدى إلى نشوء وضع اقتصادي مزري وغلاء فاحش لم يمر على البلاد في التاريخ المعاصر ، غلاء على الإنسان والمواشي ، مما دفع بالناس إلى الهجرة إلى المحافظات الأخرى وخاصة العاصمة حيث توسعت حزام الفقر وساكني الخيم وبيوت الصفيح , أنها في النتيجة خطة اقتصادية مرسومة ذات مضمون سياسي.
انا في اعتقادي ان الدولة عندما نفذت على الجزيرة سياسات استثنائية خاصة مثل الإحصاء والحزام العربي كما جاء بعضها في مخطط الشوفيني محمد طلب هلال لم تنفذ كامل المخطط وخاصة فيما يتعلق ببند الترحيل والتهجير القسري والعلني لظروف داخلية وإقليمية معينة إلى إن أتت ظروف مناسبة استغلتها النظام كما هي الظرف المناخي الحالي الذي أصاب الجزيرة فقامت الحكومة بتكريس المصيبة برفع أسعار المحروقات والسلع التموينية مما دفع بأبناء المحافظة إلى الهجرة دون ضجيج وبهدوء وكأن الظاهرة حالة طبيعية تحدث نتيجة ظروف مناخية طبيعية أي إن مخطط طلب هلال نفذ دون إن يستطيع احد إن يشير بأصابع الاتهام مباشرة إلى الحكومة بأنها وراء هذه الهجرة .
في هذه الحالة وضمن هذه الظروف كيف يمكن للكرد إن يفكروا ، ساستهم، مثقفيهم، هل يتمسكوا فقط بالشعارات القومية وبالمطالب القومية واعتبار المطالب الديمقراطية من اختصاص الأكثرية العربية والمعارضة ؟
إن جوهر النضال القومي ليس فقط بناء دولة بحدود جغرافية محددة ومجرد علم وبرلمان وحكومة و….

الخ وإنما الجوهر الجوهر هو تحقيق كرامة الإنسان بتحسن وضعه الحياتي في مختلف جوانبه لأنه في النهاية ليس للفقير وطن ، فالوطن الحقيقي هو الوطن الذي يحميني من الكوارث والجوع والظلم ويشعرني بالكرامة والمواطنة وعند ذلك من واجبي إن أقدس ذلك الوطن ولو كان ذاك الوطن بلا حدود وبلا علم أو برلمان .

إن النضال الوطني والقومي متلازمان لا ينفصلان فاحديهما يؤدي إلى الآخر فعلى هذه القاعدة إن الشعب الكردي –وبنظري- ملزم بالتعاون والتعاضد والعمل مع كافة مكونات الشعب السوري في سبيل النضال الوطني الديمقراطي  كون الجميع يعاني من مظالم النظام الاقتصادية ، لان سياسات النظام الاقتصادية  ليست مجرد سياسات اقتصادية بحتة وإنما أيضا  خطط ترمي إلى غايات سياسية وقومية وعنصرية كما هو الحال غايات النظام من سياسته الاقتصادية الحالية التي ترمي بالإضافة إلى تجويع الشعب – إلى تفكيك العمق الكردي وخلخلته وتمزيقه ديمغرافياً ، فلذلك إن الكرد يتعرضون إلى ظلم مزدوج قومي واقتصادي وبالتالي إن الكرد عليهم نضال مزدوج جنب إلى جنب مع كافة مكونات الشعب السوري .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…