عبد الرحمن آلوجيفي تناولنا لخطوط الفكر القومي العربي , بعد استعراض التراكمات و العوامل التي أدت إلى بلورة ووضوح الخطين المتوازيين ..
خط يعتمد رؤية موضوعية منهجية قائمة على حقائق الحياة و العلم و التاريخ , و العلاقات الكفاحية و التراثية المشتركة بين العرب و الكرد و الشعوب المتجاورة و المتآخية , و ما لهذا الخط من عمق و أصالة و رؤية عادلة و متوازنة , معززة بفئة واسعة من الباحثين و المفكرين و الأكاديميين و قطاع شعبي عريض بات يتشكل من تطور آفاق القضية الكردية و بعدها التاريخي و عمقها التراثي , وصلتها بحقوق الإنسان , و القيم الإنسانية و الأخلاقية التي شكلت الرافد الأساسي لمجمل قضايا الشعوب , ووصول هذه القضايا إلى المحافل الدولية , و المنابر العامة , و حقول البحث و الدراسة تأسيسا
و قد أردنا بتعميق هذين الخطين و بيان افتراقهما و تباينهما , أن ندل على خطل و انحراف الخط الواهم , و الغارق في الذاتية , و المحكوم بردات الفعل تلك , من خلال المقارنة و الموازنة و تصوير بشاعة الانطلاق الذاتي المتضخم و الموهوم في الفكر القومي الارتكاسي – إن صحّ التعبير – بوضعه أمام تلك التصورات المتطرفة و القائمة على الشطب و الإلغاء و إنكار وجود الآخرين , بدفن الرؤوس في الرمال , أو ستر عين الشمس بالغربال , بالقفز فوق ملايين البشر , و ما لهم من تصورات و قيم و تقاليد و لغات و ثقافات , ظنّا بأن من شأن ذلك أن يطفئ الشعلة المتوهجة للوجود القائم للشعوب و الأقوام و الملل و الأجناس و الأعراق التي تشكل الخارطة الكبرى للتلوينة المجتمعية في هذه المعمورة , و المترسخة في العمق الإنساني لهذا المجتمع المتعدد و المتنوع و الذي يشمل من بين ما يشمل الخارطة الإنسانية في الشرق الأوسط من الكرد و الأمازيغ و الأرمن و الآشوريين و السريان و التركمان و الشراكسة و بقايا الكلدان و الكنعانيين و الآراميين و الفينيقيين و الأقباط … و آلاف الألوان و الأطياف و المكونات التي تملأ مساحة الجغرافية البشرية الواسعة , و التي تتنوع و تتكامل , و تزداد مع الأيام وضوحا و تألقا مع تقدم الفكر الإنساني , و تطورات مجالات حقوق الإنسان و الانتشار الواسع للمعرفة الإنسانية , و ثقافات الشعوب و طموحها و ألوانها بما يتعاضد و يتداخل و يتكامل مع الثقافة الإنسانية الواسعة و العريضة ..
هذا الإيضاح من شأنه أن يخدم الفكر العربي الإنساني و المشرق و المنهجي و الذي يصبح منتجا , و يثمر علاقات وجدانية , و رؤية جامعة و فكرا يتّسم بالواقعية و قوة الحقائق , بالمقارنة مع هشاشة و انفعالية و سطحية الفكر الاستئصالي القائم على منطق تحدي وجود الآخرين و الشعور بعدائية بالغة و تشنج عاطفي سطحي كقول منذر الموصللي و هو يدرس القضية الكردية في مقال له : ” إن أي كردي سوري يفكر تفكيرا قوميا , ينبغي استئصاله استئصالا … ” هذا الاستئصال يعيد إلى الأذهان مدية الجزّار , و رؤية الجلاد لفريسته , و هو يحمل الساطور لقصله و قصه و تقطيع أوصاله , وهو في الوقت نفسه يرفع من شأن العروبة و كل ما يمت إليها بصلة , و يرى العربي فوق الجميع , و آية من آيات الله , مذكرا بفرض سياسة (تصحيح القومية) أو (تغيير الهوية) كما كان يحدث في كركوك و مناطقها للكرد و الترك , كأن الآية التي منحها الله للإنسان , في اختلاف الألسنة و الألوان , يمكن تغييرها و تبديلها في النظام الصدامي البائد , و في كل فكر عنصري متهافت و ضيق , يرى في الإنسان سلعة تبدل كأي قطعة مادية بأخرى , و هي ظاهرة بدائية متخلفة و بائسة , تلتقي مع رؤية العداء الساخر لكل ما هو مغاير و مختلف , في حين يطمح منذر الموصللي المستعرب إلى أن يكون للعرب من المحيط إلى المحيط دولة كاملة متكاملة , لها كامل الوجود و التكامل و التفاعل و الحقوق , في حين لا يمكن أن يتصور الكردي – مجرد تصور – أو أن يفكر – مجرد تفكير – بأنه كردي يحق له ما يحق للآخرين من طموح قومي مشروع للحياة , لا يتعارض و وجود الآخرين و ثقافتهم مدركا أن البشر يتفاضلون بما يبدعون و يحققون و ينشرون السلم و الخير , لا بما يتميز به عرقهم أو لونهم , و هو يتفق مع ما تبجّح شاعر قومي متطرف بادعاء كون الرسول و خالقه عربيا وهو ما أدلى به الشاعر اللبناني المستعرب أيضا (نجيب جمال الدين) حيث يقول من قصيدة له :
منّا الرسول و منا الواحد الأحد ..
في تطرف سطحي غريب , يلتقي فيه مع ذلك الشاعر العراقي الشعبي الذي يقول بالتبجّح عينه :
(عميا الشمس لو ما تشرق من عدنا ..)
فالشمس ينبغي أن ينطفئ عينها إن لم تشرق من أرض العرب , و هو في ذلك يقع في المبالغة الغريبة مع الشاعر الأندلسي الذي وهب أحد الخلفاء صفات الذات الإلهية :
ما شـئـت لا ما شـاءت الأقــدار فـاحكم فأنـت الواحـد القهّـار
أو الآخر الذي يتصور كل شيء عربيا ليس لسواه وجود , حتى الأرض تتكلم العربية …
و الشاعر البحتري – في طفرة انفعالية زائفة – , يقع في المبالغة ذاتها , و في التطرف عينه , في زمن سحيق كان الإسلام السمح يؤاخي بين الأمم و الشعوب , و يعلنها مساواة مطلقة بين الناس كأسنان المشط , و ذلك في قوله ( متحدثا عن العنصر العربي )
و كـأن الإله قال لنا في الحـــرب كونوا حجارة أو حـــديـدا
ملكوا الأرض قبل أن تـلك الأرض و قـادوا في حافيتها الجنـــودا
إن هذه النزعة التملكية و الاستعلائية سبقت النزعة الهتلرية بأكثر من ألف عام ..
لتؤسس مع النزعات و التصورات اللاحقة و المتواصلة عبر القرون ..
لصورة ” العنتريات ” و الرؤى ” الدونكيشوتية ” المتوالية , و التي جسدت رؤية مهتزة كالتي أعلنها في صياغة برنامجه مؤخرا محمد طلب هلال و أمثاله في الفكر الاستئصالي و القمعي القائم على الإلغاء و البتر و السحق .
كما يطل من خلاله على أفق مستنير يظهر بشاعة الآفاق المظلمة و المسدودة , و الرؤية المتشنجة , و المرتكنة إلى ردود أفعال و مواقف و رؤىً ظلامية مضادة و مواجهة للتطرف بمثله , و هي حالة خطيرة ينبغي تداركها , للخروج من حالة الحكر و الإنكار و ضرب الآخرين, و الاستهتار بهم ..
و هو ما يفترض بيانه و إيضاحه و تجريد كل الإمكانات المتاحة لتعرية المواقف و الممارسات و الرؤى النظرية المساندة , بما يعزز الرؤية الحقيقية الناصعة , و الخط الإيجابي المشرق و يسعى إلى بناء قاعدة أكثر مواجهة للحقائق, حقائق الحياة و العلم و التاريخ , و يعيد إلى الأذهان أن أي فكر قومي يستند إلى التفوق و العرقية و العنصرية الاستعلائية , من أية أمة يؤول إلى الشر , و يفضي إلى الصراع و العراك , و يقع في خانة الجهل و التخلف و بلادة الحس , و يرسم المقدمة إلى التطاحن و الحرب , و يدمر كل آمال السلام و المدنية و الاستقرار , و أن الفكر القومي ذا الرحابة الإنسانية , و الرؤية الجامعة , و المنطق العلمي و الأخلاقي يمكن أن يراهن على البقاء و التطور و الارتقاء و السمو بالإنسان و قضاياه العالية ..






