حفل الصحافة الكردية في جولبسان الدرباسية

  سيامند إبراهيم*

“كما تكونوا تكون صحافتكم” جملة قالها المبدع الكبير عباس محمود العقاد الذي لخص الحالة الاجتماعية لحيوية وواقع الأمة مبيناً التفاوت في التي تتمثل فيها العلاقة بين تقدم الصحافة وتخلف المجتمع وبيًنَ أن رقي الشعوب هي قبل كل شيء في حيوية صحافتها وظهور الأقلام الكبيرة التي تؤثر وترتقي بالفكر والثقافة الإبداعية والتي هي العلامة التي ترفع من شأن الأمم,  
لكنه يرى أن ثمة علاقة جدلية بين تقدم الصحافي على الأمة بين المجتمع
لكن هذا التقدم والرقي لايعمر ولا يطول كثيراً, وبنظرة متأنية لواقع الصحافة الكردية بشقيها أي باللغتين الكردية والعربية نلاحظ ونقولها بكل ألم أنه هنا في سورية “لا توجد صحافة وصحافيين في سوريا” بحسب قول الشاعر والأديب السوري شوقي بغدادي في لقاءٍ أجري معه في مجلة (المعرفة) السورية, وينمم كلامه بقوله إن هناك كتبة موظفين يكتبون في الصحف السورية” وهذه الشهادة من مبدع كبير له اسمه, وإبداعه في الساحة السورة والعربية لهو دلالة واضحة على واقع الصحافة في سورية من جميع نواحيها, نعيش واقع مأساوي مؤلم, أين الرقي الصحافي في سوريا من تقدم الصحافة في لبنان, والخليج التي تتنسم بحرية الصحافة, وبرزت عشرات الأقلام التي كتبت بشكل جميل, وراقي, ومهني, وفرضت نفسها على الساحة العربية, وما تزال الصحافة السورية أسيرة قوانين الطباعة المقيدة للحريات بشكل عام! وسيطرة الدولة وإشرافها على الصحف الخاصة بها؟! وبعض الصحف التي لا تستطيع أن تخرج من شرنفة وشبكات العنكبوت السورية؟!
وضمن هذه المناخات كيف ستبرز الأقلام القوية وكيف ستكون الصحافة هي العين الرقيب على الحكومة والفساد المستشري في كل مفاصل الدولة, وكيف قامت الدولة السورية بمنع إصدار الصحف والمجلات الكردية ضمن هذه القوانين المقيدة لحرية التعبير والكتابة بلغتك القومية وكيف ستتقدم صحافتنا الكردية ونحن نطبعها في لبنان سراً ونوزعها سراً ونعيش ونرشف كؤوس العذاب والسجون والقهر والفقر في هذا الوطن الجريح.

وكيف سيظهر المبدعون الأكراد والعرب والسريان؟!
إذاً أن هذا الواقع التراجيدي الذي يشهده الواقع السوري وخاصة الكردي منها حيث نعيش واقعاً أكثر من التراجيديا حيث حرمنا من طباعة أي كتاب ثقافي إلا بموافقة وزارة الاعلام, وكيف يحاولون لجم حرية النشر ونحن في زمن العولمة! فالانترنت فتح لنا آفاقاً جدية حيث وصل صوتنا إلى كافة القراء باللغة العربية وبالكردية لأبناء قوميتنا في كردستان,  نعم أصبح العالم قرية صغيرة وكم هو جميل هذه الثورة التكنولوجية وما أجملك أيتها العولمة للقوميات التي تعيش وتعاني من الغبن والتهميش وإنكار الآخر الكردية؟!  
لكننا كما قال المسرحي الكبير سعد الله ونوس “نحن محكمون بالأمل” وكلنا أمل في حرية الصحافة  الحقيقة, وحرية التعبير بكل اللغات الكردية السريانية في الإذاعات والجامعات والصحف والمجلات والأندية الخاصة والعامة ونخرج من هذه الحالة العدمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى!!
لكن المفرح في هذا الحفل الذي أعتبره كتكريم لكل الأقلام التي كتبت, وتكتب, وتبدع في الواقع الثقافي الكردي حيث قامت فرقة (رونا هي) في الدرباسية التي قدمت مسرحيات هادفة من صميم الحياة الكردية, ومن قبل (لجنة النشاطات الثقافية الكردية) في القامشلي بدعوة عشرات الكتاب والشعراء والمثقفين والمهتمين والسياسيين من المجتمع المدني والمنظمة الآثورية في حفل ضخم وراقي في قرية جولبسان, ومن المؤكد أن إقامة هذا الحفل في مناسبة عيد الصحافة لهو موقف يسجل لهذه الفرقة وللذين أقاموا هذا الحفل, لأن الاحتفاء بهذه المناسبة لهو تكريم لجلالة السلطة الرابعة المسحوقة في هذا الوطن السوري الجريح, وكنا نتمنى أن تلقى بعض القصائد شعرية, وبعض الكلمات المعبرة عن هذه المناسبة العظيمة,  عظمة مقداد بدرخان وكل من الرعيل الأول (جلادت بدرخان, أوصمان صبري, كاميران بدرخان, نورالدين ظاظا, قدري جان, حسن هشيار, جكرخوين) وغيرهم فهؤلاء الذين تابعوا مسيرة الصحافة الكردية رغم الظروف الحياتية الصعبة الاقتصادية والسياسية والقمعية في العهود القوموية وماتوا وهم يحلمون بالحرية ونيل حقوق الشعب الكردي في سورية, والحق يجب أن يقال في هذه المناسبة أن الحفل الذي أقيم لهو شيء مدعاة للفخر ومبعث الارتياح في تأمين وسائل النقل المريحة وحسن التنظيم والضيافة الكردية على أمل الاهتمام من الحركة الكردية بالكتاب والصحافيين في هذا الوطن المثخن بالجراحات.

 

 ——-
(1)   عباس محمود العقاد – على الأثير ص 139 – القاهرة دار المعارف
(2)   المصدر نفسه
* صحافي كردي سوري  
Siyamendbrahim@gmail.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جلال مرعي في وقتٍ تتسارع فيه التحولات السياسية على مستوى البلاد، وتستعد فيه المجلس الوطني الكردي لعقد لقاءات في دمشق بدعوة من حكومة الشرع، تبرز أمام المجلس مسؤولية مضاعفة تفرضها حساسية المرحلة ودقتها. فهذه اللحظة ليست عادية، ولا يمكن التعامل معها بالأدوات نفسها التي استُخدمت في مراحل سابقة، لأن طبيعة التحديات المطروحة اليوم تتطلب مقاربات جديدة، ورؤية أكثر شمولًا وواقعية،…

المحامي عبدالرحمن محمد لقد سقطت الكثير من المصطلحات الخاطئة والخطيرة، مثل ما سمي بشمال وشرق سوريا، وشعارات أخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، وغيرها من الطروحات الايديولوجية الطوباوية والوهمية.وكما سقط النظام المجرم، سقط معه الكثير من الاوهام والاقنعة. لم يعد هناك مجال للخداع والكذب والمزايدات والمتاجرة بالقضية الكوردية.لقد سقط القناع عن وجوه الكثيرين، وظهرت الحقيقة للجميع، وسقطت الانانية الحزبية الضيقة والمصالح الشخصية….

بنكين محمد على امتداد العقود الماضية، لم يكن الحلم الكردي مطلبًا طوباويًا أو نزوة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا مشروعًا عن حق شعبٍ في الوجود والكرامة والاعتراف. غير أنّ هذا الحلم، الذي صاغته التضحيات والآلام، وجد نفسه في السنوات الأخيرة عالقًا بين شعارات كبيرة وبراقة، من قبيل الأمة الديمقراطية و أخوة الشعوب ، دون أن يترجم ذلك إلى مكاسب قومية…

عبدالكريم حاجي بافي بيشو   انتهت المرحلة الأولى بفشلٍ ذريع بكل المقاييس، دفع ثمنه آلاف من شبابنا، وتشرّدت بسببه آلاف العوائل الكردية. واليوم، ومع بداية المرحلة الثانية، يبرز السؤال المصيري بقوة: هل ستبقى الحركة الكردية، ومعها الشعب الكردي بكل فئاته، أسرى نهجٍ دخيل وغريب عن جسد شعبنا؟ وهل سيستمر الصمت وكتم الصوت بحجة أن الظروف غير مناسبة ؟ أم آن…