ما بعد الأطر الكردية …

بلــند حســن

          تُبنَـى الأطر السياسية بناء على حصيلة من التوافقات في المواقف السياسية العامة والرؤى المستقبلية ، والبنى التنظيمية التي تؤهل الأطراف المنضوية تحت ذلك الإطار التحرك بمساحة من الحرية لتحقيق الأهداف المشتركة ( المتقاطعة ) بين تلك الأطراف والإطار السياسي الذي يحتويهم .

فإذا كانت ثمة تفاهمات وتوافقات على خطة تنظيمية وأفقٍ سياسي واضح بين أطرافٍ وتنظيمات معينة ، فمن الطبيعي أن تتوصل تلك الأطراف إلى بناء إطار سياسي يجمعهم على سكة واحدة ، ومن الطبيعي أيضاً أن تتفرّق أطرافٌ معينة كانت يجمعهم سقفٌ من التفاهم بينهم إنْ كان ثمّة اختلافات تتحول إلى ( الزعل وإدارة الظهر ) وبالتالي يصبح ذلك الإطار المتدني إلى عبءٍ ثقيل.
          في الحركة الكردية هناك ثلاثة من الأطر السياسية ، ( التحالف والجبهة ولجنة التنسيق ) منها ما يجمع أطرافها مواثيق سياسية وبنى تنظيمية ،كالتحالف والجبهة ؛ ومنها ما يجمع أطرافها تفاهمات ومواقف معينة دون الوصول إلى مستوى الإطار السياسي كلجنة التنسيق .

إلى جانب هذه الأطر ثمّة أحزاب  كردية أخرى ؛ لكن في المحصلة كلّها لا يرتقي إلى المستوى المطلوب في العمل السياسي ، ويبقى دورها ضعيفاً في توحيد الصفّ الجماهيري ، والخطاب السياسي الكردي .

هنا برزت أهمية ولادة رؤية مشتركة عامة تجمعهم ، وتكون هي البنية الصحيحة في توحيد الخطاب السياسي ، وتوجيه الجماهير ، وخلق حالة من الثقافة السياسية ، وردم الهوة التي تفصل بين كل الفصائل الكردية .

وبعد مفاوضات شاقة ماراثونية توصلت الأطر الثلاثة إلى رؤية مشتركة ، وهي تُعَدّ ، بحق ، وثيقة سياسية متقدمة تتفقُ عليها معظم الفصائل السياسية منذ عقود طويلة من الانشقاقات والخلافات ، ورغم اختلاف الأطر المعنية على تاريخ نشرها ، إلا أنها تأخذ أهميتها كخطوة و برنامج قومي لأي مؤتمر وطني .

وفي الوقت نفسه تفقد هذه الوثيقة أهميتها القيمية ، لدفنها داخل تابوت الاختلاف الكردي.


         
          وبعد هذا الاختلاف حول المسائل الإجرائية لعقد المؤتمر الكردي ، تكون الحركة قد دخلت حالة من التشظّي السياسي ، نتيجة التهرّب من الاستحقاقات المرحلية ، فلم يعُد مقبولاً أن يُمثّل بعضُ الأطراف الداعية إلى عقد المؤتمر الوطني ( بمن حضر – حسب تعبير بعضهم) الشعب الكردي ، ولم يعد مقبولاً  أنّ يبقى مصير الرؤية المشتركة المنجزة ، باعتبارها وثيقة سياسية ، مجهولاً ، من هنا تبرز أهمية إعادة النّظر في ترتيب البيت الكردي من جديد ، والبحث عن البديل السياسي لملء الفراغ إلى حين نضوج الظروف والحالة الكردية لعقد المؤتمر ، فكانت الفكرة التي طرحتها لجنة التنسيق حول تشكيل مجلس مؤقت ( من قيادة الأطر الثلاثة ) يدير الشأن الكردي ويعمل لترتيب وإعداد المؤتمر المنشود وهي مبادرة أقرب إلى الواقعية والصحة ، لكن الراعي لا يهمّه أنْ تأكل الذئاب قطيع الغنم إنْ لم تكن له حصة فيه ؛ ويبدو أنّ هذا الطرح لم يأخذ أهمية مطلوبة لدى الآخرين ، فقد يعود الأمر إلى قراءتهم السياسية الخاطئة لاستحقاقات المرحلة ، أو إلى ضآلة حجم مصالحهم في تلك المبادرة ، وربما لهم حسابات أخرى خارج هذا البيدر ؛ وفي هذا الظرف الحساس أخذت أطراف معينة من التنسيق تبحث عن منافع آنية ، تحصدُ الثمر من كرومٍ الآخرين ، من دون تشاور ، في سعيٍّ منها لخطفِ مبادرة التفرّد بالعمل النضالي ، فسخّرت دعايتها الحزبية لجني المحصول ، فكان البؤسُ يرتفع على الغلّة المحصودة .

ولا أظنُّ أنّ سعيها هذا ( خارج التنسيق ) سيجلب لها منافع أكبر من خلال التنسيق ، وتبيّن العمل من خلال دعوتها مع الآخرين إلى الاحتجاج يوم محاكمة المعتقلين الكرد في دمشق متجاهلة رفيق دربهم رغم مشاركته في الساحة ، وهذا يدلّ على أنّ تلك الأطراف بدأت تشكّك في مسيرة التنسيق ، وربما من جدوى بقائه حيّاً ، أو ربما اقتنعتْ بأنّ طاحونته يجب أنْ تتوقّفَ رحاها ،أو تتبدّل.
          والسؤال الذي يطرح نفسه : هل الحركة الكردية بأطرها تلك ، وبحالتها المنكمشة، مقتنعة بالمراوحة هكذا وهي تتجه إلى الركود السياسي ؟ أم تحتاج في هذه الحال إلى إعادة ترتيب أوضاعها من جديد ؟
          فإذا كانت هذه الأطر ، والحال هذه ، تستمرّ وتكافح من أجل البقاء فقط ، فعليها أنْ تقف بجدية وبمسؤولية عالية ، أمام استحقاقات المرحلة ، لتدرك مدى جدوى استمراريتها ؟ لأنّ عدمها قد يكون أفضل من حياتها على سرير المرض .

ليس ثمّة من خيار ، سوى التفكير من أجل إعادة ترتيب هيكيلية هذه الأطر من جديد ، أو تطوير العمل النضالي بعيداً عن الأنانية الحزبية التي تقيّد نشاط بعضهم حتى العنق.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest


0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شيروان شاهين تحوّل الصراع في سوريا، الذي بدأ منذ 14 سنة كحركة احتجاجات شعبية، من حالة صراع بين ميليشيات مسلحة وسلطة منهكة على مستوى أطراف المدن والأرياف إلى صراع طال شكل الدولة ككل. حيث أفرزت الحرب الأهلية واقعًا وعنوانًا جديدًا في 8 ديسمبر 2024: انهيار دولة البعث وإعلان دولة القاعدة. تميّز حكم البعث، الذي بدأه أمين الحافظ “السني”…

اكرم حسين   طرح الأستاذ عاكف حسن في مقاله هل ما زلنا بحاجة إلى الأحزاب السياسية؟ إشكالية عميقة حول جدوى الأحزاب السياسية اليوم، متسائلاً عمّا إذا كانت لا تزال ضرورة أم أنها تحولت إلى عبء ، ولا شك أن هذا التساؤل يعكس قلقاً مشروعًا حيال واقع حزبي مأزوم، خاصة في سياقنا الكردي السوري، حيث تتكاثر الأحزاب دون أن تنعكس…

صلاح عمر   ثمة وجوه تراها حولك لا تشبه نفسها، تبتسم بقدر ما تقترب من الضوء، وتتجهم حين تبتعد عنه. وجوهٌ لا تعرف لها ملامح ثابتة، تتشكل وفقًا لدرجة النفوذ الذي تقترب منه، وتتلون بلون الكرسي الذي تطمح أن تجلس بقربه. هؤلاء هم “المتسلقون”… لا يزرعون وردًا في القلوب، بل ينثرون شوك الطمع على دروب المصالح. لا تعرفهم في البدايات،…

أزاد فتحي خليل*   لم تكن الثورة السورية مجرّد احتجاج شعبي ضد استبداد عمره عقود، بل كانت انفجاراً سياسياً واجتماعياً لأمة ظلت مقموعة تحت قبضة حكم الفرد الواحد منذ ولادة الدولة الحديثة. فمنذ تأسيس الجمهورية السورية بعد الاستقلال عام 1946، سُلب القرار من يد الشعب وتحوّلت الدولة إلى حلبة صراع بين الانقلابات والنخب العسكرية، قبل أن يستقر الحكم بيد…