صعوبات قيام المجتمع المدني في سوريا (الحالة الكردية نموذجا)

ميديا يوسف

 لقد تعددت الدراسات حول مفهوم المجتمع المدني منذ قرون مضت و المعروف حول مفهوم المجتمع المدني انها تحمل خصائص الأمة التي أنتجتها و قد تعددت أراء الباحثين حول تعريف المجتمع المدني و منها (ان المجتمع المدني انعكاسا في الأخر و في ارتباطه الصميمي بغيره من مقولات الاختلاف و التعدد و التعارض و التناقض فهو مؤسس على العقلانية) و من الشروط المادية لقيام المجتمع المدني و جود مؤسسات متعددة من المنظمات و الهيئات التي تعمل في ميادين مختلفة باستقلال عن حكومة الدولة مثل الأحزاب السياسية التي تسعى الوصول الى السلطة و المشاركة في صنع السياسات و النقابات و اتحادات الكتاب و الجمعيات العلمية و الثقافية التي تسعى الى نشر الوعي

ومن المقومات الأساسية لقيام المجتمع المدني التعددية الدينية والعرقية و تحقيق النظام و الانضباط في المجتمع لفرض الرقابة على سلطة الحكومة و ضبط سلوك الافراد و الجماعات تجاه بعضهم و التعبير و المشاركة الفردية و الجماعية و تحيق التكافل الاجتماعي و الوفاء بالحاجات و حماية الحقوق و توفير الخدمات و مساعدة المحتاجين و تحقيق الديمقراطية و بالنسبة لنا في سوريا التي تتصف بالتنوع الديني و القومي كلوحة فسيفسائية فإن طابع المجتمع المدني يأخذ كتلة و واحدة أو متجانسة لا يوجد فيها أي اختلاف أي كحركة جسد بدون روح بالرغم من امتلاكها لمقومات المجتمع المدني الناجح و ذلك لعدة أسباب من أهمها :
 اولا: عدم الاستقلال لتدخل السلطة في المجتمع بحيث يضيق مجال الحركة المتاحة للجماعات المختلفة .

فالقيام بأية اعمال سواء كانت ثقافية أو اجتماعية أو خيرية متعلقة بمواضيع صغيرة تتدخل فيها السلطة بدون مبرر و يقبلها المجتمع لا بقناعتهم بل العكس.
 ثانيا: غياب الحرية و الديمقراطية داخل المجتمع المدني فالأفراد محرومون من حرية التعبير و الرأي و طرح و جهات النظر في صالح المجتمع و ان تجرئوا على القول بشيء ما فيكونون عرضة للانتهاكات و الاعتقالات بدون أي مبرر قانوني كما أن غياب الديمقراطية داخل المؤسسات يفقد روح المنافسة و المشاركة فالمؤسسات و الجمعيات و الجامعات السورية كما هي منذ الاستقلال بدون أي تغيير و قد عشش فيها الفساد و الروتين
 ثالثا: وهو العنصر الأهم والأساسي للوصول إلى حالة المجتمع المدني هو الشعور بالانتماء الوطني و الحقيقة ان هذا الشرط يعتبر من أهم العناصر لتحقيق التماسك و الترابط لإيمان الأفراد بأنهم يتمتعون بهوية مشتركة و أنهم قادرون على الدفاع عنها و حمايتها و هي مجموعة الحقوق و المسؤوليات التي تربط الأفراد بالدولة بغض النظر عن الاختلاف بينهم و لكن في سوريا يأخذ هذا الطابع مسارا أخر وهنا سأركز على الجانب الكردي من الموضوع لأنني أعيش في مجتمع غالبيته من الأكراد حيث يشكل الأكراد نسبة 15% من أجمالي سكان سوريا أي القومية الثانية في البلاد بعد القومية العربية وهم أبناء الوطن السوري منذ أن رسمت الحدود بين سوريا وتركيا إبان أاتفاقية سايكس بيكو عام 1916 فبعد حصول سوريا على استقلالها من الاستعمار الفرنسي عام 1947 ولحد الان فأن أغلب الحكومات التي أستلمت مسؤولية السلطة في سوريا قامت بممارسات عنصرية ظالمة ضد مواطنيها الأكراد واتهامهم بسيل من التهم كالانفصالية والخيانة والشعوبية … الخ
 هذه الممارسات والاتهامات الباطلة حرمت غالبية كبيرة من الأكراد بالشعور بالانتماء الوطني مما أدى الى تشكيل فجوة شاسعة بينهم و بين الحكومات السورية من جهة و المواطنين السوريين من جهة اخرى وهذا بحد ذاته أفقدهم طابع التواصل مع بقية الفعاليات السورية الأخرى اجتماعية كانت أم سياسية أم ثقافية وبالتالي أضعفت شعورهم بالانتماء الوطني السوري كما أن هناك أسباب أخرى ساعدت في اتساع هذه الفجوة منها :
 1- تهميش الأكراد و عدم السماح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية وعدم السماح لهم باقامة جمعيات ثقافية خاصة بهم و عدم الاكتفاء بذلك بل القيام بتجريد قسم كبير من اكراد سوريا من الهوية السورية من خلال الإحصاء الاستثنائي الذي أجري في منطقة الجزيرة في 23 اب 1962 والتي جردت حوالي 250 الف من الاكراد السوريين من هوياتهم السورية بذريعة انهم ليسوا مواطنين سوريين بل أنهم قدموا عبر الحدود التركية الى الأراضي السورية…
 2- سياسة الأحزاب الكردية التقليدية التي فرغت نفسها أساسا للدفاع عن حقوق الأكراد و مطالبهم و لكن معظم تلك الأحزاب تحولت مع مرور الزمن الى عبء ثقيل على المواطنين الأكراد لأنهم لم يستطيعوا احتواء الأكراد و تلبية مطالبهم كما أن المصالح الفردية والحزبية الضيقة أصبحت من السمات الأساسية التي تتسم بها هذه الأحزاب فأصبحت هذه الاحزاب تدافع عن أفرادها الحزبيين أكثر مما تدافع عن الاهداف الكردية هذه السمة شكلت شرخا واضحا من فقدان الثقة بين المواطنين الاكراد والاحزاب الكردية..
3- افتقار الاكراد الى المثقفين النخبويين فالمثقف الكردي في سوريا قسمان :قسم تابع الى الاحزاب الكردية و مهمته القاء المحاضرات التي تمتدح الحزب الذي ينتمي اليه وكتابة المقالات التي تدافع عن سياسة الحزب سواء كانت سياسة الحزب خاطئة أم صحيحة فقط بغية الحصول على بعض الامتيازات المادية و المعنوية من هذا الحزب ..
أم القسم الاخر من المثقفين والذين يتصفون بالحيادية فلا يرون دعما و لا تشجيعا لا من الاحزاب الكردية ولا من الحكومة السورية (التي لا تهتم بالاساس بالثقافة وبالمثقفين) لذلك فهو مكبل بالبحث عن لقمة عيشه في وطن يعيش معظم أفراده في حالة من الفقر ولذلك فهو مضطر للعمل الاضافي في أماكن لا يليق بالمثقف العمل فيها وبالتالي عدم القدرة على الاستفادة من أمكانيتهم الثقافية ..

 ولعل الحالة الكردية التي قد ذكرتها تنعكس بشكل أو بأخر على بقية الفئات الاخرى في المجتمع السوري ومن أجل ذلك أود التأكيد انه بدون مجنمع مدني لا وجود للمجتمع لأنه أحد اشكال التنظيم الاجتماعي و لعل الصعوبات التي ذكرتها تأكد ابتعادنا عن منطق العقلانية في هذه المرحلة الحساسة التي تستوجب قيام مجتمع متماسك حر يملك مقومات المجتمع المدني لمواجهات هذه التحديات.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest


0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

طه بوزان عيسى   يدخل الوضع السوري مرحلة جديدة من التعقيد مع تشكيل الحكومة الجديدة تحت سيطرة جبهة النصرة والفصائل المتحالفة معها، في خطوة تُعمّق الأزمة السياسية بدلًا من أن تسهم في حلها. هذا التحول، الذي جاء امتدادًا للإعلان الدستوري المثير للجدل، عزّز مخاوف مختلف المكونات السورية التي تجد نفسها مرة أخرى أمام سلطة إقصائية لا تعكس تنوع المجتمع السوري…

السيد رئيس الجمهورية الأخ الأستاذ احمد الشرع المحترم الاخوة المحترمون بالائتلاف الحاكم – دمشق تحيات الاخوة والمصير المشترك في الوقت الذي نتوجه اليكم من جديد بالشكر والعرفان بالجميل على انجازكم الرائع في تحقيق اهداف ثورتنا السورية بدحر الاستبداد ، واسقاط الدكتاتورية في الثامن من كانون الأول المنصرم ، نضع امام ناظريكم الصورة الواقعية المأزومة لواقع الحالة الكردية السورية الخاصة ،…

1 – كُنتُ في مدينتي ديريكا حمكو/ ديريك (المُعرَّبة إلى المالكية) أثناء وقوع الأحداث الدَّامية في شهر آذار (يوم الجمعة 12/ 3 /2004م)، لكنّني كبقية أهالي المدينة (وعامة منطقتنا) سمعتُ بأنّ مُشجّعي فريق الفتوة القادمين من دير الزور بسيّاراتهم، وأنّهُم حين دخلوا شوارع مدينة قامشلي بدؤوا بتوجيه العبارات البذيئة (سبّ وشتم) بحقّ رموز الشعب الكردي.. وبعدها في الملعب البلدي نُفِّذت…

عبدالجبار حبيب   منذ أن اشتعلت نيران الحرب في سوريا، تهاوت جدران الاستقرار، واندلعت صراعات أيديولوجية وسياسية جعلت البلاد ساحةً مفتوحةً لمشاريع دوليةٍ وإقليميةٍ متضاربةٍ. وفي خضمِّ هذا المشهدِ المعقدِ، تُثار تساؤلاتٌ مصيريةٌ حول وحدةِ الأراضي السوريةِ وإمكانيةِ فرضِ نموذجِ حكمٍ جديدٍ يُعيد ترتيب ملامح الدولةِ. فهل تقف سوريا اليومَ على أعتابِ التقسيمِ؟ أم أنَّ الإرادةَ الدوليةَ والإقليميةَ ما زالت…