لعبة شد الحبل بين الشهرستاني والقيادة الكردية

  عمر كوجري

   لا يبدو في المنظور القريب أن تفاهماً حقيقياً سيحصل بين حكومة إقليم كردستان العراق والحكومة المركزية في بغداد في الكثير من الشؤون المفصلية والهامة التي تهم الشعبين الكردي والعربي ضمن العراق الفيدرالي، فحالة« الحرد والزعل والمعاتبات»   تتكرر بهذه الصيغة وتلك، ويبدو أن الهوة تتوسع شيئاً فشيئاً، وهذا مؤشر خطير لا يدخل  في إطار الدفع لحلحلة الأمور ودفعها باتجاه مصالحة حقيقية مرتكزة على تناسي الماضي رغم كل جراحاته، وآلامه.
  فحكومة كردستان العراق تقول إنها – وفي كل ما تتخذ من قرارات لا تفكر بغير جانب، وصالح اللحمة الوطنية، وتعميق حالة الانتماء للوطن العراقي الذي يسع ويتسع صدره لاحتضان الجميع، ولاتغرد خارج السرب، ولا تعمل إلا تحت الشمس، وضمن خيمة الوطن التي رعاها الدستور العراقي، وكفل الشراكة الحقيقية في كل موارد البلاد وخيرات باطن الأرض التي من المفترض ألا يستأثر طرف بعينه كما حصل في عهد صدام الذي حول العراق إلى ملكية خاصة ومزرعة تضخ الخير العميم لأسرته وأبناء عشيرته، وأهل بلده العوجة، فخيرات البلد كما يقول الكرد ستكون لكل مكونات الشعب العراقي، وترى الحكومة الكردية أن هذه الشراكة مع المركز يجب أن تتحقق عبر الخصوصية التي يتمتع بها الكرد كشركاء رئيسيين في الوطن العراقي، وكذلك لخصوصية ظروف القهر والقتل والتأنفل، والتشريد التي لحقت بالكرد في عهود سابقة وطويلة.

.

في حين أن المراقب للوضع على الساحة العراقية قد لايشعر بذلك الإحساس، و لا يرى  شيئاً يتحقق من هذا القبيل على أرض الواقع، وهذه ليست المرة الأولى التي نسمع عن اختلافات في تفسير القوانين، والقرارات، وتداول مواد الدستور، فالكرد يفسرونها بطريقة، والحكومة المركزية تفسرها بطريقة مخالفة ومغايرة تماماً عن تفسيرات الكرد حتى ليقع المرء بين ” حيص بيص ” أيهما على حق، وأيهما لا يخرج من سقف وخيمة الدستور؟؟ وبطبيعة الحال كلا الطرفين يسوقان حججهما التي يقنعاننا بها.

فالكرد – أينما كانوا- يرون أن كل ما تقرره القيادة الكردية هو على صواب، ولايجافي الحقيقة والموضوعية، والرؤية والرؤى الصائبة، وترى أن الحكومة المركزية تتملص من قراراتها فيما يخص الدستور، وتخرج كل يوم بنغمة جديدة فيما يتعلق بالموضوع الكردي، وتخشى في قرارة نفسها وكأن الحكومة المركزية في بغداد تضحك على ذقونهم،   وتتحين الفرصة السانحة للانقضاض على كل المكتسبات التي تحققت بفعل دماء الضحايا، والقرابين التي قدمت في مذبحة الحرية، ضد كل الأنظمة التي تعاقبت على دفة الحكم في العراق منذ بدايات القرن الماضي وحتى سقوط النظام العراقي الذي قدم صكوك استسلامه لقوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في التاسع من نيسان عام 2003  إذ تتغاضى عن بعض الأمور لكن أنفاسها تغلي وتغتلي غيظاً على الوضع القائم، وترى أن الكرد يتمادون في استغلال الوضع القائم ويستغلون الحالة الضعيفة التي يمر بها العراق .
  وتقول الحكومة العراقية إن حكومة كردستان العراق تتجاوز الخطوط الحمر يومياً،  وتتصرف وكأنها دولة مستقلة عن الوطن العراقي، وهي تستغل حالة الضعف والتضعضع التي يعاني منها العراق في المرحلة الانتقالية الحالية، وتمرر رغباتها وأطماعها بموارد العراق يومياً وعلى مرأى من الجميع.

وقد تجلى هذا الاختلاف بيناً وجلياً حينما أكدت حكومة كردستان العراق قبل فترة وجيزة عزمها على توقيع عقود مع شركات أجنبية للتنقيب عن البترول، ورأت تلك الحكومة أن اعتراضات وزير النفط العراقي غير مبررة ، وإن الكرد اشتغلوا في إطار الشرعية التي كفلها الدستور، كما أكدت أن بعض هذه العقود قد دخلت مرحلة التنفيذ والعديد من الشركات تحزم حقائبها للتوجه إلى كردستان العراق، وإن هناك  عقوداً أخرى في طريقها للتوقيع مع الشركات التي تنقب عن النفط وغيره من الموارد الباطنية.
  يذكر إن الوزير الشهرستاني كان قبل فترة قريبة قد أصدر قراراً بإلغاء كل العقود التي أبرمتها حكومة كردستان العراق مع تلك الشركات وأعتبرها باطلة ، وعد أن وزارة النفط العراقية هي الجهة الوحيدة والمخولة بعقد الصفقات والتوقيعات مع الشركات الأجنبية
فما كان من الحكومة الكردية غير أن تعلن أن الشهرستاني يتصرف بأسلوب أكبر من حجمه وصلاحياته.

باختصار يفترض أن تكون الأمور واضحة ، ولانعتقد أن حكومة كردستان العراق لها مصلحة حالياً أن تخرج خارج إرادة الشعب الكردي أولاً، وتناقض المصلحة العراقية العليا ثانياً، والكرد لو أرادوا الاستئثار بخيرات العراق لفعلوها حينما كان العراق في« قمة» ضعفه وهزاله.

وليس الآن ..

حيث يصونون السلم الأهلي ويدافعون عن العراق الفيدرالي الديمقراطي التعددي.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…