«استقراء سريع للموقف التركي المعلن» و«صراعات الأحزاب الكردية السورية».. قضيتان للنقاش (263)

 

صلاح بدرالدين

 

القضية الأولى : استقراء سريع للموقف التركي المعلن 
   هل من الجائز والمنطقي ان يفاجئنا بماقاله الرئيس التركي بشأن عودة العلاقات مع نظام الأسد ، فبغض النظر عن الموقف من السياسات التركية تجاه القضايا الداخلية والخارجية أرى من غير  المنطقي ان يفاجئ تصريح – اردوغان –السوريين ، فليس هناك خروج على القاعدة او شذوذ عنها  للأسباب التالية :
 ١ – النظام العربي الرسمي ومن خلال الجامعة العربية سبق تركيا في الانفتاح ، ودعوة راس النظام  الى قمتين عربيتين ، وأعاد اليه التمثيل بعد حجبه عن المعارضة لنحو عشرة أعوام ،  وافتتاح السفارات في دمشق ، بل قدم البعض دعما ماليا من دون اعلان.
  ٢ – الائتلاف المعارض ! يسعى منذ أعوام لان يقبل به النظام مفاوضا ثم شريكا صغيرا في السلطة ولكنه يرفض علنا .
  ٣ – الكثيرون من اطراف الائتلاف ومن خارجه ( أحزاب ، ومجموعات ، وافراد )  من مختلف المكونات بمافيها المكون الكردي يحاولون جاهدين وعبر القنوات غير المرئية نسج علاقات التفاهم مع نظام الأسد ، وتزداد شكوكي عندما أرى  أن هؤلاء اعتقدوا  ان النظام الرسمي العربي  والإقليمي يقف مع اهداف الثورة الوطنية السورية المغدورة في الحرية والكرامة ، والتغيير الديموقراطي ، فلو كانت غالبية هذه الأنظمة صادقة ، وذات نوايا حسنة لسمحت لشعوبها بالحرية والديموقراطية أولا .
    حتى الان الذين تفاجأوا ورفعوا أصواتهم بشان التصريح :
  ١ – ” الإدارة الذاتية ” لسلطة الامر الواقع التابعة ل – ب ك ك – وهي ستكون المتضرر الأكبر ، لانها لم تفلح في التسويق لنفسها منذ عشرة أعوام وحتى الان  بشأن التطبيع مع نظام الأسد ، واخفقت في تثبيت نفسها كممثل لا للمكون الكردي السوري ، ولا لمكونات ( شمال شرق سوريا ) ، ولم تجلب أي اعتراف باقليمها المصطنع ،  كما لم تجد قبولا من الأوساط التركية الحاكمة من اجل عقد صفقة ، وخسرت الرهان في مجال المفاضلة والاختيار الأمريكي بينها من جهة وبين حليفه التركي عضو الناتو ، فسلاحها الوحيد يقتصر على امتلاكها لكتائب مسلحة تقدر بعشرات الالاف اسوة بالميليشيات المسلحة الأخرى في سلطات الامر الواقع المنتشرة في سوريا ، وتسخدمها الى جانب مهام أخرى ضد مخالفيها من الكرد السوريين ، ولاشك ان مساحة المناورة ضاقت كثيرا امامها مما تجعلها مضطرة للتمسك علنا وقريبا جدا بمرجعيتها – القنديلية – وعضويتها الكاملة في محور – الممانعة – بزعامة نظام طهران .
  ٢ – ( قادة ؟! ) معارضون من الموزعين في عواصم إقليمية – ومعظمهم من الوافدين الجدد – ، موالون لانظمتها التي ساهمت في تصفية الثورة ، وخذلت السوريين  ، وهؤلاء انفسهم كانوا ومازالوا عقبة في عقد المؤتمر الوطني السوري الجامع ، على قاعدة الاستقلالية الوطنية ، والاعتماد على الذات ، والتعتيم على حراك أهلنا بالسويداء كنقطة مضيئة في سماء بلادنا ، كل ذلك في سبيل مصالح شخصية تلتقي مع أجندة المانحين ، ومن غير المستبعد ان تكون الاحداث الدامية الأخيرة في الشمال السوري الذي تحتلها تركيا إشارة الى قلق الفصائل المسلحة على مصائرها في حال تحقق التفاهم بين انقرة ودمشق .
  بالمقابل فالسورييون المتمسكون بمبادئ ثورتهم المغدورة ، سيستمرون في العمل في كل الأحوال والاحتمالات ، وبذل المحاولات من اجل معالجة ازمة – معارضتهم – عاجلا ام اجلا  والبحث عن بديل منظم وشرعي بعد مراجعة الماضي ، والاستفادة من دروسه ، وفي المقدمة الخيار المدني السلمي لمعارضة النظام ،والعمل الجاد لتوفير شروط عقد مجلس وطني سوري بمشاركة مختلف المكونات ، والتيارات السياسية المعادية للدكتاتورية والاستبداد وفي المقدمة حراك السويداء .
  استشراف المستقبل السوري ، وماسيحصل بعد اللقاء التركي – السوري مجددا ، ومصير مناطق – سلطات الامر الواقع الثلاثة ، ومناطق نفوذ المحتلين ، والميليشيات المسلحة – بل ومصير نظام الأسد بالذات ، ومآلات القضية السورية برمتها ومن ضمنها القضية الكردية ، في غاية الصعوبة ، ولن تتجاوز التوقعات ، والاجتهادات خاصة وان جميع الأطراف الداخلية والخارجية المعنية بالملف السوري اما تتشارك الضعف ، او الارتباك ، او انتظار ماستؤول اليها نتائج حرب إسرائيل – حماس وعلى ضوئها دور ومكانة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ، والتطورات الأوكرانية ، والانتخابات الرئاسية الامريكية ، وموازين القوى القادمة في أوروبا بعد صعود اليمين المتطرف في اكثر من بلد ، ومهما كانت النتائج فان الحالة السورية لن تعالج الا بالتوافق بين سائر الأطراف الممسكة باجزاء من الملف ، اما الصغار الذين يعيشون في ظل الأطراف الأكبر فلن تكون لها قائمة كما هو متوقع .
  امام هذا المشهد الغامض والمقلق ، وإزاء التدهور الحاصل في الحركة السياسية الكردية السورية من ( تفكك وانقسام ، وافراغ المناطق ، وتهجير ، وفقدان القبائل الحزبية المتصارعة قرارها المستقل ، وتبعيتها المطلقة للخارج )  ليس للكرد السوريين بكل اسف أي دور في تغيير مسار الاحداث ، والمساهمة الإيجابية في الشانين القومي والوطني ، بالرغم من ان الوقت لم يفت بعد امام الوطنيين المستقلين لإنقاذ مايمكن إنقاذه .
  القضية الثانية: في صراعات الأحزاب الكردية السورية
  أحزاب طرفي الاستقطاب ( ب ي د – انكسي ) مازالت على طريق الاتفاق والتفاهم ، والمحاصصة بناء على اتفاقيات أربيل ودهوك المبرمة قبل أعوام ، وبالرغم من الاتهامات المتبادلة في تحميل مسؤلية عدم التنفيذ الا ان أحزاب الطرفين مازالت ملتزمة – رسميا – بها ، ولم  يعفي أي من الطرفين نفسه من الالتزام ، بل انهما يعلنان بين الحين والأخر عن توسط امريكي وفرنسي إضافي بعد الوساطة  الأولى في إقليم كردستان العراق لانجاز مااتفق عليه .
  بعض اشباه الحركات الاحتجاجية ، والتظاهرات السلمية الضيقة المتواضعة بالقامشلي من جانب – انكسي – لاتنطلق من متطلبات المصالح القومية والوطنية لغالبية الكرد وارادتهم ،  ولاتقوم من منطلق اسقاط – الإدارة الذاتية – او تبديلها ، بل في سبيل ارشادها ، وتصحيح مسارها ! في احترام الحريات العامة ، والأخيرة كانت من اجل اطلاق سراح أعضاء أحزاب – انكسي – ،( وهذا مطلب حق بطبيعة الحال ولكنه يبقى جزئيا غير شامل لقضايا الكرد الأساسية ) ، ومن الواضح ان – المحتجين – هم من أعضاء أحزاب الأخير وليسوا من الوطنيين المستقلين وهم من الغالبية الشعبية في كل امكنة التواجد الكردي السوري ، وهذا يعني أيضا ان أحزاب – انكسي – لاتتمتع كما هو الحال لدى أحزاب – ب ي د – باحتضان شعبي ، ومشاركة طوعية في نشاطات الطرفين .
فماذا لو كانت أحزاب – انكسي – مثلا على علاقات حسنة مع الغالبية المستقلة من الجماهير الكردية ودعتهم الى التظاهر من اجل القضايا الأساسية مثل : حل الإدارة الذاتية ، واستعداد الأحزاب جميعها للرضوخ لقرارات مؤتمر شرعي كردي سوري ، وتوفير شروط عقده  بمشاركة الجميع وخصوصا الوطنييون المستقلون من اجل أعادة بناء الحركة الكردية من جديد ، وتوحيدها ، وصياغة المشروع السياسي بجانبيه القومي والوطني ، واستعادة استقلالية القرار الكردي السوري ؟ من المؤكد لو تحقق ذلك ستكون النتائج بشكل آخر تماما .
والقضيتان قد تحتاجان للنقاش

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

صديق شرنخي المانيا / بوخم ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي…

حسن قاسم أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ. في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا…

محمود أوسو تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان. الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً…