العلاقات التركية السورية والتقارب الأخير: أهداف وتحديات

محمد أمين أوسي
 مقدمة
تتسم العلاقات بين تركيا وسوريا بتعقيدات تاريخية وجيوسياسية كبيرة. في العقد الأخير، تأثرت هذه العلاقات بشدة بالحرب الأهلية السورية وبالتدخلات الدولية في المنطقة. ومع ذلك، شهدت الفترة الأخيرة محاولات لتقريب وجهات النظر بين أنقرة ودمشق، وهو ما يثير تساؤلات حول أهداف هذا التقارب وتداعياته، خاصة في ما يتعلق بمنطقة شمال وشرق سوريا.
 الخلفية التاريخية
قبل اندلاع الحرب الأهلية السورية في 2011، كانت العلاقات بين تركيا وسوريا تتسم بفترات من التوتر والتقارب. كان هناك تعاون اقتصادي وسياسي، لكن هذه العلاقات تأثرت بعد دعم تركيا للمعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد. هذا الدعم أدى إلى تدهور العلاقات وقطع الروابط الدبلوماسية بين البلدين.
 محاولات التقارب الأخيرة
بدأت محاولات التقارب الجدية بين تركيا وسوريا في أواخر عام 2022 عندما التقى وزراء الدفاع من البلدين بوساطة روسية. هذه الاجتماعات التي تلتها اجتماعات أخرى بمشاركة إيران، هدفت إلى إيجاد أرضية مشتركة لحل القضايا العالقة بين البلدين، خاصة فيما يتعلق بالشمال السوري
العوامل المحركة للتقارب
1. الضغط الروسي: تلعب روسيا دورًا محوريًا في الوساطة بين تركيا وسوريا. ومع انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا، تسعى موسكو لتحقيق استقرار في سوريا من خلال تحسين العلاقات بين أنقرة ودمشق. تهدف روسيا إلى تقليل الوجود الأمريكي في المنطقة، مما يعزز موقفها الجيوسياسي
2. المصالح الاقتصادية والأمنية: يعاني كلا البلدين من أزمات اقتصادية حادة. تركيا تسعى لتحسين أوضاعها الاقتصادية من خلال فتح أسواق جديدة والتخلص من عبء اللاجئين السوريين. أما سوريا، فتسعى إلى تحسين اقتصادها المنهار وإعادة الإعمار بمساعدة دولية
3. محاربة الإرهاب: تركيا تعتبر القوات الكردية في شمال سوريا تهديدًا لأمنها القومي، وتطالب بتعاون سوري في محاربة هذه القوات. من جهة أخرى، يسعى النظام السوري إلى استعادة السيطرة على كامل أراضيه بمساعدة تركية
 التحديات والمعوقات
رغم هذه المحاولات، تواجه عملية التقارب عدة تحديات:
1. التوترات الإقليمية: تواجه تركيا وسوريا ضغوطًا من دول إقليمية ودولية قد تعارض هذا التقارب لأسباب سياسية وأمنية. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ترفض أي تقارب يمكن أن يعزز موقف الأسد ويقوض نفوذها في المنطقة
2. المعارضة الداخلية: هناك رفض كبير من قبل المعارضة السورية لهذا التقارب، حيث يعتبرون أن أي تقارب مع النظام السوري هو خيانة لضحايا الحرب الأهلية وتضحياتهم. تعبر المعارضة عن مخاوفها من أن يكون هذا التقارب على حساب حقوقهم ومطالبهم السياسية
3. المطالب المتبادلة: يطالب النظام السوري بانسحاب القوات التركية من الأراضي السورية كشرط أساسي للتقارب، بينما تطالب تركيا بضمانات أمنية وتعاون في محاربة الجماعات الكردية المسلحة. هذا التباين في المطالب يجعل من الصعب الوصول إلى اتفاق شامل
 التداعيات المحتملة
إذا نجحت هذه المحاولات، فإن لها تداعيات كبيرة على المنطقة:
1. الاستقرار في شمال سوريا: يمكن أن يؤدي التقارب إلى استقرار نسبي في شمال سوريا، مما يسهم في تخفيف معاناة المدنيين وتحسين الأوضاع الإنسانية.
2. التأثير على العلاقات الدولية: قد تؤدي هذه التطورات إلى إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة، مما يؤثر على العلاقات بين الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا وإيران وقد تتغير خرائط السيطرة الحالية وتظهر خرائط  ميدانية جديدة على كامل الشمال السوري مع تركيا
3. عودة اللاجئين: قد يشجع التقارب على عودة بعض اللاجئين السوريين إلى ديارهم، مما يخفف من الضغط على تركيا التي
تستضيف الملايين منهم
 الخاتمة
يمثل التقارب بين تركيا وسوريا عملية معقدة تتطلب توازنًا دقيقًا بين المصالح المتعارضة. رغم التحديات الكبيرة، فإن تحقيق تقدم في هذه العملية يمكن أن يسهم في استقرار المنطقة وتحسين الأوضاع الإنسانية. تبقى العوامل الجيوسياسية والإقليمية لاعبًا رئيسيًا في تحديد مستقبل هذه العلاقات.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمال ولو   ​تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لكونفرانس قامشلي، وهو الموعد الذي استبشر فيه الشارع الكردي خيراً. ولكن، وبنظرة فاحصة، نجد أننا أمام تكرار لسيناريوهات الفشل السابقة. ​1. متلازمة “القرار المختطف”: إن السبب الجوهري وراء فشل اتفاقيات (هولير، دهوك، وقامشلي) لا يكمن في التفاصيل الفنية، بل في كون الأطراف المتفاوضة لا تملك سيادة قرارها. إن الارتهان لأجندات القوى الإقليمية…

حسن قاسم بذلت قوى المجتمع المدني الكوردستاني جهوداً كبيرة لتقريب المواقف بين أطراف الحركة السياسية الكوردية في سوريا، تُوّجت بـ كونفرنس 26 نيسان 2025 الذي أعاد الأمل لجماهير أنهكها الانقسام. يومها، تم التأكيد على وحدة الخطاب السياسي وانتُخبت لجنة لتنفيذ الاتفاق، فعمّ التفاؤل. لكن بعد عام، تبيّن أن اللجنة وُلدت ميتة: لا مشاريع، لا نشاط، لا تحرك دبلوماسي. تكررت خيبة…

مسلم شيخ حسن – كوباني شكل انعقاد الكونفرانس الكردي في السادس والعشرين من نيسان 2025 في مدينة القامشلي محطة سياسية بارزة، انعقدت عليها آمال واسعة لدى الشارع الكردي في سوريا، مدعومة بغطاء كردستاني لافت عكس إدراكاً جماعياً لأهمية اللحظة. وقد أفرز هذا الحدث جملة من المخرجات السياسية، على الصعيدين الوطني والكردي، بدت في ظاهرها متقدمة ومنسجمة مع تطلعات السوريين عموماً…

عبد اللطيف محمد امين موسى تتمثل الحاجة الى ضرورة البحث عن الاولوية في الانطلاق الى صياغة خارطة تعتمد على الحاجة الى اعادة هيكلية اولويات العمل السياسي الكوردي في سوريا، ولابد ان تكون عملية تأهيل وبناء الفرد الاستراتيجية الاساسية فيها، لما يشكل الفرد العامل الاساسي والقوة الحقيقية والشرعية في اي محطة لممارسة النضال السياسي ضمن الاطر العامة للتنظيمات والاحزاب السياسية. تكمن…