البنية السورية ومتغيرات سياسة الاعتقال

فايز سارة
شهدت الحرب السورية في السنوات الأخيرة خفضاً في مستوى المواجهات العسكرية بين القوى المتصارعة. غير أن هذا التحول لم ينعكس إيجاباً على الجوانب الأخرى من مؤشرات الصراع، خصوصاً في مؤشر علاقات السوريين مع سلطات الأمر الواقع، التي تحكم قبضتها على أنحاء البلاد، حيث تواصل الحكومة السورية بسط سيطرتها بصورة أساسية على منطقة خط الوسط وغرب سوريا، وتسيطر الإدارة الذاتية التي تديرها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) على منطقة شمال شرق، فيما تسيطر تركيا على شمال غرب، التي تُدار من أطراف حليفة تتقدمها الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف الوطني، ثم حكومة الإنقاذ التابعة لـ«هيئة تحرير الشام»، وفي المناطق الثلاث تستمر بشكل واسع سياسة الاعتقال السياسي والاختفاء القسري والموت تحت التعذيب.
ويمثل الاعتقال في صورته الحالية رغم «تعدد» و«تنوع» القائمين به نهجاً ثابتاً أسسه نظام الحكم وطوره على مدار عقود مضت، لا سيما بعد عام 1970، حيث تعززت البنية الأمنية للنظام فأقيمت لها إدارات وتخصصات جديدة، وزادت قدراتها البشرية والمادية، وتطورت خبراتها اعتماداً على حلفاء النظام، خصوصاً الاتحاد السوفياتي وألمانيا الشرقية، واستطاعت القضاء على قوى المعارضة بمختلف توجهاتها السياسية والآيدلوجية في عقدي السبعينيات والثمانينيات، ومدت أذرعها نحو الخارج، فنظمت مئات الهجمات والاغتيالات والاعتقالات والملاحقات وغيرها مباشرة أو بواسطة أدوات تابعة في دول المنطقة وبعض الدول الأجنبية.
وتجاوزت الأجهزة الأمنية مهمتها الأساسية في حماية النظام ومواجهة خصومه ومعارضيه إلى دور أوسع، إذ أعطيت صلاحيات واسعة، فصارت تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، وتجد لها روابط وعلاقات مع الوضع السياسي في سوريا، وأعطت كل عملياتها العدائية صفة سياسية.
وسط تلك الحالة اندلعت حركة الاحتجاجات السورية في مارس (آذار) 2011، وكان أول تداعياتها على الصعيد الأمني الانتقال من السياسات المحددة والمحدودة في عملياتها إلى سياسات مفتوحة ومرنة، مما يعني توسيع حدود العمليات لتشمل أعداداً أكبر من السوريين، وبطريقة كيفية، تجاوزت كل التقديرات.
لقد وسعت السلطات الأمنية وعممت سياسة الاعتقال لدرجة صار من الصعب إحصاء أعداد المعتقلين، وبعضهم تكرر اعتقاله مرات كثيرة، وثمة تقديرات متفاوتة لأعداد المعتقلين، إذ قدر عددهم بحوالي 250 ألفاً، حسب جماعات حقوقية معارضة، وقدرت مصادر رسمية أميركية عددهم بـ136 ألفاً في عام 2024، وحسب الوقائع، فإن الاعتقالات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية تمددت في السنوات الأخيرة، وشملت مؤيدين بينهم عسكريون وأمنيون ومدنيون، ولم تعد الاعتقالات مرتبطة بجهة أو طرف معين، إذ تمارس الاعتقال حواجز عسكرية وأخرى تابعة لأجهزة المخابرات، وميليشيات موالية ومثلها ميليشيات مرتبطة بإيران في سوريا.
وقد أضيفت لها لاحقاً حواجز لجماعات مسلحة من جماعات التطرف، بينها «داعش» و«النصرة»، وحواجز تتبع تنظيمات «الجيش الحر».
غير أن الأهم في متغيرات سياسة الاعتقال هو أسباب الاعتقال، حيث لم تعد عمليات الاعتقال مرتبطة بأسباب محددة مثل معارضة النظام والمشاركة في المظاهرات وتقديم مساعدات طبية وغذائية للضحايا من المدنيين، بل من الممكن أن يكون الاسم سبب الاعتقال، ومثله مكان المولد، وقد يكون السبب الحصول على مبلغ مالي صغير، أو نوع من تسلية تملأ أوقات فراغ عناصر الحواجز الأمنية، ولعل الأخطر في الأسباب هو تحول الاعتقال إلى أداة لابتزاز السوريين والحصول على أموال وممتلكات تعود للمعتقلين وأقاربهم، مما جعل مصائر السوريين بوابة لإثراء مسؤولين وضباط وعناصر الأمن.
لقد تركت متغيرات سياسة الاعتقال آثاراً عميقة في البنية السورية والعلاقات بين مكونات الجماعة الوطنية، وعمقت الشرخ بين أجهزة الحكم وعموم السوريين، ولعل الأهم أنها ساهمت في تعميم الاعتقال باعتباره سلوكاً إجرامياً لدى الجماعات والتنظيمات المسلحة، بينها أطراف تزعم معارضة النظام، كما يحصل في شمال غرب البلاد في مناطق السيطرة التركية، وهي سلوكيات تكرر في مناطق الإدارة الذاتية، وفي الحالتين يجري اعتقال السوريين من قبل أجهزة وميليشيات سلطات الأمر الواقع لأسباب تماثل أسباب الاعتقالات لدى نظام دمشق، بل وتتكرر النتائج ذاتها في الحالات الثلاثة، من بينها حالات إنكار الاعتقال وموت المعتقلين تحت التعذيب.
—————
الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…