كيف يجب أن تنقذ الإدارة الذاتية ذاتها

د. محمود عباس
كان من الممكن كتابة: هل ستنجح الإدارة الذاتية؟  أو هل ستتحول إلى دولة؟ أو كيف ستنقذ ذاتها من الأعداء المحيطين بها؟ أو هل ستفشل؟ كم هو العمر المتوقع للإدارة الذاتية؟ وغيرها من الأسئلة التي تدور في ذهن المجتمع الكوردي قبل الأعداء، ولا يخفى أن رهبة من مستقبل غربي كوردستان ترافق هذه الأسئلة، خاصة بعد الفراغ الديمغرافي الكارثي لغرب كوردستان، وبقاء الإدارة الذاتية الممسك الوحيد لنسبة من الكورد فيها، والتي بخسارتها تزداد احتمالية أن تكون نهاية المنطقة ومصيرها كمصير كوردستان الحمراء، علما أن ما تم تنفيذه حتى الأن لا يمثل إلا الفتات للشعب الكوردي كقومية، لكن يظل الأمل مهيمنا.
  والأمل قد يتحول إلى حقيقة أو إلى سراب والأسباب عدة، منها سوية تعامل مسؤولي الإدارة الذاتية مع المعادلة التالية: (إباحة الحق أمام المصلحة أم تفضيلها) الجدلية السياسية معروفة منذ بدايات الثورة الفرنسية، الثانية تتكالب عليها الدول والمنظمات خاصة الدكتاتورية والفاشلة، والأولى تصب في صالح الشعب. من تجلياتها تهميش العدالة وتناسي حقوق الشعب، ودفعهم إلى حافة المجاعة عند تعارضها مع مصلحتهم ومنفعة القوة المهيمنة.
الإدارة الذاتية في غرب كوردستان، لا تزال في مرحلة البناء، نظامها السياسي – الاقتصادي في أطوارها الأولى، لكن المنهجية الفارضة على المجتمع غير مرغوبة من أغلبيته، وهناك تراجع في مجالات عدة، يتزايد التأفف في السنوات الأخيرة. لا شك الواقع المرعب يعيشه سوريا ككل، لكن الإدارة الذاتية إمكانياتها أفضل وعليها العمل للخروج من الحلقة المأساوية تلك، حتى ولو فضلت أحيانا المصلحة الحزبية يجب ألا تنسى أن أول مهمات الأنظمة الناجحة هي تحسين الواقع المعيشي، وفي منطقتنا تقع واقع الشعب الكوردي المعاني من الويلات كقومية، طوال القرن الماضي في المقدمة.
 من المهم أن تدرك قوى الإدارة الذاتية أن الشرخ يتزايد بينها والشعب كلما تم تطبيق أحد القوانين دون الأخذ برأي المجتمع، أو إصدار أحد المراسيم التي تهضم حقه، خاصة حق الشعب الكوردي قبل الشعوب الأخرى في المنطقة، فعدم إعادة النظر في هذه الحقيقة يرجحون تكوين بنية اقتصادية- سياسية هشة، من الصعب بناء المستقبل عليه.
  من المؤلم القول، أصبحت تروج شائعة، أنه هناك شريحة بدأت تتحكم بالإدارة الذاتية؛ تجرها إلى الفشل، وربما إلى الانهيار، تتبين ذلك من خلال استمرارية ابتعاد الشارع؛ وخسارتها للبنية التحتية بشكل متسارع، جماهيريا، ونسبة واسعة من الحراك الثقافي، بعدما كسبتهم في السنوات الماضية إبان انتصارها على الإرهاب التكفيري، وإنقاذ المنطقة من شرور داعش، ولا يخفى ورغم الخلاف معها، كإدارة ومسؤولين كانوا يتسمون بالتواضع والنزاهة، والتفاني في العمل، سمعتهم طغت على كل الخلافات، السمة القيمة التي بدأت تخمد مع الزمن.
التراجع أصبح جليا، فاللامبالاة وإقناع الذات بغيرها سذاجة، حتى ولو استندت على المبدأ المقال، بأنهم يريدون لسان الشعب وليس قلوبهم، المنطق السياسي هذا ينجح في المرحلة التي تكون فيها السلطة أقوى من أعدائها، لكنها كما نعلم لا تزال تستند على القوى الخارجية، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية كأهم عامل من عوامل استمرارية البقاء، ومن الأهمية ذكره هنا، أن أمريكا سند مهم ومن الضرورة ترسيخ وجودها وإقناعها بحماية المنطقة عن طريق تحسين ظروف المجتمع، والاهتمام بحق الشعب الكوردي قبل الأخرين، فإلغاء رموزه القومية، كالعلم، وعدم محاولة تغيير ما فرضه حزب البعث في العقود الماضية، كقضية الأراضي التي أعطيت للغمريين، وتناسي قضية المكتومين، وغيرها، بينت على أنها تلغي الكورد كقومية، وهي من أحد أسباب ابتعاد الشارع الكوردي عن سلطة الإدارة بعدما أصبحت لها شعبية في البدايات. بالمناسبة أخطاء الأطراف الأخرى من الحراك الكوردي أدت إلى نتائج مشابهة تقريبا من قبل المجتمع الكوردي. الإدارة فضلت مصلحتها كسلطة على الحق، وهؤلاء فضلوا مصلحتهم كأحزاب على رأي الشعب.
من الخطأ اعتماد القوى السياسية في الإدارة الذاتية على الظن بأن الفراغ الذي يتفاقم سيكون في صالحه، أو ابتعاد الشعب عن الطرف الآخر سيكسبه ببعض الطرق والدعاية الإعلامية، فبدون إعادة النظر في العديد من مشاريعها الاقتصادية والسياسية، ومحاولة تحسين ظروف المعيشية، والبنية التحتية (لا شك يؤخذ بعين الاعتبار ما تقدم عليه تركيا من الإجرام بحق الشعب الكوردي وتدمير البنية التحتية) ومحاولة تجاوز الظروف الصعبة، لن تزيد الإدارة أية قوة جماهيرية، خاصة وقد بدأت تنتشر دعاية حول تفاقم الفساد والتجاوزات، وابتعاد مسؤولي بعض الدوائر عن الاهتمام بمصلحة المواطن، إلى جانب توسع البيروقراطية، وهذه من الأمراض التي تؤدي إلى التخلف وتحول السلطة الديمقراطية إلى الدكتاتورية، وبالتالي تفاقم مصاعب المعيشة.
العمل شاق، والظروف قاسية، الأعداء يتربصون من كل الأطراف، ويتأمرون بأساليب متنوعة، لكن المواجهة تضعف مع زيادة الثقل على الشعب بدون تبريرات مقنعة، المجتمع لديه حاسة من النادر أن يخطأ، يرى ما يدور حوله، يساعد نظامه السياسي عندما يجد النزاهة، والمصداقية في العمل من أجله، لكن يبتعد عندما يتم هضم حقوقه، وأقرب مثال تسعيرة القمح وغيرها من المحاصيل، والتي تم فيها تفضيل مصلحة الإدارة الذاتية كسلطة على حقوق الشعب، والبيان كان هزيلا، تم فيها تهميش صوت المجتمع، وآذية ليس فقط الفلاح والمزارع، بل كلية المجتمع الذي يعيش على ما يتم إنفاقه في السوق، من دخل المحاصيل الزراعية، أي عمليا المتضرر ليس الفلاح فقط، بل كلية الشعب والإدارة الذاتية بذاتها، على أمل أن يدرك مسؤولي الإدارة إن ما ستكسبه كسلطة اليوم ستعود عليها بخسارات ثقيلة.
 ليس خافيا أن العديد من الثورات شكلت إدارات وانهارت دون بلوغ مرحلة تكوين الدولة، لأنها افتقرت إلى عواملها، العوامل التي بدأت تخسرها الإدارة الذاتية، ونأمل أن تتمكن من إيقافها، والعمل على إزالة الأخطاء التي تقلل من احتمالات النجاح، وإعادة النظر في القضايا التي تقلص من السمة الكوردستانية عن المنطقة.
الولايات المتحدة الأمريكية
29/5/2024م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…