كونوا رحماء كالسيّاف

ماجد ع محمد
“إذا أحضرتَ أعتى ثوري ومنحته سلطة مطلقة، في خلال سنة سيصبح أسوأ من القيصر نفسه”
ميخائيل باكونين
من الحكايا الملهمة في منطق الطير لفريد الدين العطار النيسابوي ثمة قصة معبِّرة عن المروءة والشهامة وردت في ذلك العمل الأدبي الكلاسيكي، حيث يلمح فيها العطار إلى أن كريم الأصل ومن كان من أهل النخوة والمروءة لمجرد أن يأكل أحدهم من طعامه يغدو في مقام الأخ والشريك، حتى ولو كان بينه وبين الآخر جرماً كبيراً، وليس فقط لا يفكر بإيذاء مَن تناول مِن خبزه يوماً إنما يطالبه كذلك بالعفو والسماح عما بدر منه تجاهه وما اقترفه بحقه.
إذ تقول الحكاية: “عُلِّق أحد الرجال وهو مكبل بالقيد والأصفاد في يديه، وعندما حانت ساعة ضرب عنقه تعطفت عليه زوجة الجلاد بكسرة خبز، وما أن أقبل الجلاد ممسكاً سيفه، حتى رأى المسكين وكسرة الخبز في يده، فقال له: مَن أعطاك أيها الحقير هذا الخبز؟ قال: أعطتني إياه زوجتك، فما أن سمع الرجل جوابه، حتى قال: أصبح قتلك محرماً علينا؛ لأن كل من قضم خبزنا، لا يمكن رفع اليد بالسيف نحوه، ولا يمكن أن تكره أرواحنا من أكل خبزنا، فكيف يحل لي سفك دمك بسيفنا؟”
وقصة السياف الذي توقف عن قتل الضحية لمجرد معرفة السياف بأن الخبز الذي يأكله المحكوم هو خبزه وبناءً عليه يستحيل أن يقتل مَن شاركه الخبز، تأخذنا من نيسابور إلى الشمال السوري، حيث أن ثمة من لا يُطعم الآخرين شيئاً من طعامه أو حُر ماله، إنما هم يأكلون من خيرات وثمرات أهالي منطقة عفرين منذ سنوات، ولكن بدلاً من رد الجميل وتقديم الاعتذار يهينون من أكلوا ويأكلون من خيراتهم، فيا ترى أما فكر المنفلتون كالخنازير على رياض المنطقة بأن يرتقوا يوماً إلى مستوى السيّاف لدى فريد الدين العطار؟ ـ وهنا أحدِّد من يأكلون منذ سنوات الزاد وفوقها يعاملون بكامل العنجهية والغطرسة ذلك الذي أكلوا ويأكلون من خيراته ـ أم أن الجحود صفة ملازمة لهم ولا تنفصل عن سلوكياتهم أينما حطوا الرحال، وبالتالي بعيدة عن قيمهم الشخصية أو العائلية الاعتراف بالنِعم والشكر والامتنان، وكذلك الأمر الإقرار بالمنافع التي يحصلون عليها من الذين يُمعنون في إهانتهم منذ سنوات، وذلك بفضل السلطة التي مُنحت لهم من قِبل الجهة التي أرسلتهم للمنطقة بدعوى محاربة حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى الحماية الجوية التي يتمتعون بها بفضل الجهة المرسلة التي لا تسمح راداراتها وسلاحها الجوي ومسيراتها بأن يلجأ أي فرد من أبناء المنطقة إلى إستخدام أي وسيلة من وسائل الدفاع عن النفس بالسلاح الخفيف إذا ما تعرض للظلم كما يفعل أهالي درعا ويدافعون عن أنفسهم، هذا بالرغم من أن النظام هو الذي يحكم درعا وليس دعاة الحرية! وذلك لأنه وبقدرة قادر يُخفى عن منظور صاحب الرادارات والمسيرات جميع الانتهاكات الممارسة بحق الأهالي، ويُخفى عنه مشاهِد قطع الأشجار منذ سنوات، ويُخفى عنه المذابح التي تقام بحق التربة والحقول الخضراء، ولكنه في الوقت نفسه مهيأ في كل لحظة للإنقضاض بمسيراته إذا ما دافع مدني كردي عن كرامته وقام من غضبه وقهره بقطع ذيل أحد الأوباش المنفلتين بأمر الخاقان في رياض المنطقة، هذا عدا عن أن إحدى نواحي المنطقة غدت محمية خاصة بقائد إحدى الكتائب، النسخة المشوهة والأكثر رداءة عن رامي مخلوف لدى نظام دمشق.
وبخصوص النسخ المخلوفية في الشمال السوري يظل أهالي منطقة عفرين الواقعة على الحدود السورية التركية يطرحون السؤال الدائم، ألا وهو يا ترى هل الحاكم الفعلي لمحمية شيخ الحديد ومن في حكمه هم بديل رامي مخلوف في الشمال السوري؟ ويا ترى مَن بمقدوره الوقوف بوجه هذا المتغول بأموال وممتلكات وأرزاق الناس؟ إذا كانت المظلة السياسية غير قادرة على لجمه، والحكومة الآنية لا تتجاسر على الاقتراب من منطقة نفوذه، ووزارة الذَود لا تجرؤ على الدنوِ من محميته، والوالي يغض الطرف عن كل تجاوزاته وانتهاكاته؟ والتساؤل الجوهري هو إذا كان الذي جعل من رامي مخلوف أخطبوطاً مالياً على امتداد مساحة سورية هو رأس النظام السوري نفسه، فمن يا ترى هو الرأس الكبير الذي يستمد حاكم تلك المحمية سلطانه وطغيانه اللامحدود منه؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…

شادي حاجي في مرحلة تتغير فيها خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وتتداخل المصالح الدولية والإقليمية بصورة متسارعة، تقف القضية الكردية أمام سؤال مختلف: هل ينبغي للكرد البحث عن حلول عاجلة، أم أن المرحلة تقتضي بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعلهم أكثر استعداداً للمتغيرات المقبلة؟ ربما يكون الخيار الثاني هو الأكثر واقعية. فـالصبر الاستراتيجي لا يعني الاستسلام للواقع أو التخلي عن…

عبدالله كدو على المثقفين والسياسيين، وكل أصحاب الخبرة والحكمة والمهتمين بالشأن الوطني الكردي السوري العام ، أن يقدموا، بصدق وأمانة، الأدلة والقرائن والوثائق الأساسية التي توضح السير السياسية والفكرية للقوى والشخصيات الكردية الفاعلة، المدنية منها والعسكرية، كما هي في حقيقتها، بعيدا عن التقديس أو التشويه أو الانتقائية. فمعرفة الحقائق ونشرها ليست ترفاً، بل مسؤولية قومية ووطنية، إذ لا ينبغي أن…

ماجدة بوعزة بين نزع سلاح حزب العمال وحسابات أردوغان للبقاء في السلطة، يفتح القانون الجديد باب السلام في تركيا، لكنه يطرح أسئلة صعبة حول مستقبل الأكراد. فما تفاصيله؟ يُعدّ قانون نزع سلاح حزب العمال الكردستاني ومنح عفو جزئي للسجناء خطوة تاريخية، لكنه لا يُلبي المطالب الكردية الأساسية. ومن المرجح أن يكون لدى الرئيس أردوغان أهداف أخرى. تحول في الخطاب القومي