الكرد – الثورة – المعارضة

د. عبدالحكيم بشار
يعي كل متابع للشأن الكردي في سورية بأن أولى خطوات وبرامج الاضطهاد القومي الممنهج ضد الشعب الكردي بدأت في عهد حكومة الانفصال، من خلال الإحصاء الاستثنائي الذي طُبق في محافظة الحسكة، مستهدفةً بتلك الخطوات الوجود الكردي في تلك المحافظة، ثم ازدادت وتيرة تلك الإجراءات الشوفينية ضد الكرد مع استلام البعث السلطة من خلال سلسلة إجراءات الحزام العربي الشوفيني السيء الصيت، وسياسات التعريب الشاملة، وصعوبات التوظيف، وإفقار المناطق الكردية من خلال تحديد المساحات المروية خاصةً القطن، والمرسوم 49 المتعلق بملكية البناء، والتنكر للوجود الكردي وحقوقه المشروعه سواءً أكانت تلك الحقوق قومية أم إنسانية، ورغم النضال السلمي الديمقراطي للحركة الكردية ولجوء بعضها  إلى الاحتجاجات السلمية إلاّ أن النظام كان يواجه الكرد بالمزيد من الملاحقة والسجن والاعتقال.
لذلك عندما اندلعت الثورة السورية انخرط فيها الشباب الكرد منذ الأيام الأولى دون انتظار قرار الحركة الكردية، بما أن آلية اتخاذ القرارت والتشاور بين أطرافها تأخذ بعض الوقت، ولكن في المحصلة فإن الكرد على مستوى الحركة السياسية والجماهير الشعبية شاركوا في الثورة السورية، وبالرغم من عفوية قرار الجماهير إلاَّ أنّ القرار كان نابعاً من الشعور بظلمٍ دائم وقع عليهم من قبل السلطة الحاكمة التي قمعت حريتهم وصادرت حقوقهم الإنسانية والقومية، والحركة الكردية بدورها أدركت أنه في ظل نظام البعث ورغم كل المحاولات فإن فرص حصول الكرد على الحد الأدنى من حقوقهم هي معدومة تماماً، ناهيكم عن فرص تحقيق التحولات الديمقراطية على مستوى البلد ككل.
وهذا يعني بأن الكرد كحركة سياسية ومثقفين ونشطاء سياسيين وشباب كانوا أمام حقيقة ترتكز على أن نظام البعث غير قادر على تحقيق أي تحول ديمقراطي يضمن الحريات العامة، وهو غير مؤهل نهائياً لفتح أيّة نافذة لضمان الحد الأدنى من الحقوق للكرد وغيرهم من مكونات المجتمع السوري، بل وكانوا على إدراك ووعيٍّ تام بالمرحلة، حيث أنهم تصوروا بأنهم إن لم ينضموا إلى الأصوات المطالبة بالحرية والكرامة في البلد فليس مستبعداً بأن يكونوا أمام إجراءات إضافية تستهدف الوجود الكردي.
ولا شك أن قرار الانخراط في الثورة السورية اتُخذ بشكلٍ عفوي في البدء من قِبل الجماهير الكردية، والمشاركة بحق جاءت كاستجابة لنبض الشارع السوري، ولكنه في حقيقته كان ناجم عن وعي بالحقائق لدى النخب والحركة السياسية، وباتت الجماهير الكردية وطيف كبير من الحركة الكردية على قناعة بأن الثورة السورية التي تطالب بالتغيير الديمقراطي والحرية والعدالة والكرامة ستمنح الكرد فرص كبيرة للتعببر عن النفس والمطالبة بحقوقهم، وتمنحهم الفرص المتعلقة بضمان حقوقهم، نقول فرص لأنها ما تزال متاحة، بينما كانت معدومة في مرحلة سلطة البعث.
ولقد كانت من أهم النتائج الإيجابية للثورة السورية على الشعب الكردي اضطرار النظام إلى منح الهوية للمجردين منها، وهو إجراء ناقص فالمعارضة تقر وتطالب باعادة الجنسية وليس منحها، وكذلك إسقاط المرسوم 49 الخاص بالعقارات والملكية، وأيضا كسر الخطوط الحمراء التي كانت تحاصر البعد الوطني والمجتمعي للشعب الكردي، وأصبحت القضية الكردية قضية معظم السورين، وكذلك تعرّف المجتمع الدولي برمته على القضية الكردية وحجم الاضطهاد الذي مورس بحق الكرد والذي كان غائباً أو شبه غائب بالنسبة للمجتمع الدولي.
وهنا لا بد من التمييز بين الثورة كمبادئ وقيم وأهداف والتي كما أسلفت تتيح الفرص للكرد لضمان حقوقهم إن أجادوا إدارة الملف الكردي، وبين  قوى المعارضة التي رغم قصور أدائها والأخطاء التي رافقت وترافق مسيرتها وبغض النظر عن حجم تلك الأخطاء فإن الثورة السورية كأهداف ومبادىء لا تتحمل مسؤولية أخطاء المعارضة ولا يجوز تقييم الثورة من خلال أداء المعارضة.
ونؤكد هنا بأن القصور في أداء الحركة الكردية بمختلف أقسامها بدءاً من الحركة الأصيلة مروراً بالحركة الدخيلة وصولاً إلى الحركة المصطنعة لا يلغي مشروعية القضية الكردية ولا يلغي حق الدفاع عنها، كما أن أخطاء المعارضة السورية وقصور أدائها لا يلغي مفهوم ومبادئ الثورة ولا يلغي حق الشعب السوري في تحقيق مطالبة في الحرية والكرامة.
ورغم وجود بعض الملاحظات التي أوردناها في الأعلى، فإن موقف المعارضة متقدم سياسياً تجاه الشعب الكردي وقضيته وحقوقه، والثورة تتيح للكرد فرص نيل حقوقهم، لذا عليهم استمرار الانخراط فيها بنفس الزخم الذي كانوا عليه إبان انطلاق الثورة، فلا فرص للكرد بوجود سلطة البعث، ولا بديل عن الثورة والتغيير الديمقراطي السلمي لضمان بناء سوريا الجديدة، سوريا لكل السوريين.
وحيال الفرص المتاحة ما على الكرد إلاّ الخروج من قوقعتهم وترك العزلة التي يفرضونها على أنفسهم، وعليهم رمي مناظير السوداوية الملازمة لحياتهم، والتخلي عن الطاقة السلبية التي تحركهم، والاستعاضة عنها بطاقة إيجايية تحثهم على الاستمرار بالنضال والمضي نحو الأمام.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….

كفاح محمود   لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل…

شادي حاجي الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل…