أنا ولجنة التحديد والتحرير (10)

د. محمود عباس
من سمات العدالة الاجتماعية لليسارية التي جاءتنا بها سطلة دمشق لم يكن القصد الحقيقي منها إنصاف الفلاح، بدليل أن الفلاحين الذين ملَّكَتْهُم الدولة الأراضي لم يغتنوا كما كان متوقعا.
فاليسارية التي عشناها آنذاك كانت مصدر النزاعات بين الشعب السوري عامة، لم يقتصر هذا على الملاك والفلاح فحسب، بل كانت النزاعات تحصل وأحيانا بين الفلاحين أنفسهم، وناهيكم عن موظفي الدولة الذين تحولوا إلى رقباء على بعضهم البعض، ينتظر الواحد منهم زلة لسان أو هفوة عابرة من زميله؛ ليصلها إلى الجهة المعنية. هكذا كان المواطن السوري يقضي أيامه مُرَاقبا، خائفا من أن يُتهم أنه عدو “الشعب”.
وعلى الصعيد الكردي كانت النزاعات فيما بينهم موجودة؛ لكنها اقتربت من التوتر، يمكننا تجاوزا أن نعتبرها توترا، كما ولم تكن بتلك الحدة التي عانى منها غيرهم، ويعود هذا إلى الجور المطبق على الكورد برمته. ومع تقدم الوقت خف هذا التوتر بينهم، ولم يكن ممكنا أن يزول تماما، ولكنه كان متحملا.
نحن الأطفال وقتها لم نبال به، وثابرنا على ما كنا عليه قبل يسارية السلطة التي أهدتها لجموع الشعب السوري عدا أصحاب النفوذ، كونهم هم أصحابها. عندما أقول إنها كانت أشبه بالتوتر في الحيز الكردي؛ لأن صداقتنا كأطفال لم تُمس، ولم يمنعا يوما أبواتنا من اللعب مع أطفال المقابل والعكس صحيح، ولم يمنعونا من زياراتنا المتبادلة. على هذا المنوال عشنا أيامنا حينها في نصران كأن التوتر غير قائم. ومع مضي الوقت استعاد أهل القرية عهدهم السابق، فترددوا على المضافة بعد قطيعة دامت ردحا من الوقت.
وما فرّقنا كان الفقر المفروض علينا جميعا. لقد غادر بعض الأهالي قرية نصران إلى أماكن مختلفة بحثا عن لقمة العيش، ونحن، بطبيعة الحال، أبناء محمد عباس، بل ومعظم آل عباس لم نكن استثناءً، فنحن جميعا بدورنا غادرنا القرية، ولكن لم تستتب الظروف أن نبقى في سوريا، فتفرقنا في دول الشتات. ومثلنا الملايين من أبناء غرب كوردستان ليس فقط أبناء العائلات المالكة، بل الفلاحين والعمال والموظفين، المثقفين والسياسيين ومن جميع شرائح المجتمع الذين أصبحت معاناتهم ومن كل النواحي خارج قدرات التحمل. واعتبر أن هذه الهجرة كانت بداية استفراغ الأرض من سكانها الكرد. فنصران التي كانت عامرة ولم تكن تشكو من الفرقة بين أبنائها، ولم يخطر ببال قاطنيها أن يرحلوا عنها.
حينما حل التوتر كان جليّا أنه مفتعل وكذلك القطيعة بين أهل القرية والمضافة والتي كانت مربع تساليهم وسمرهم. رغم عودة المياه إلى مجاريها بين أهل القرية والملاك بدرجة مقبولة، لكنها لم تدم طويلا، حيث القوانين المفروضة علينا ككورد كان العامل الحاسم أن تصبح العديد من بيوتنا في نصران أطلالا بعد أن كانت عامرة تزهو بالوئام والانسجام بين سَكنَتِهَا.
فاليسارية التي أشغلتنا بها السلطة لم يكن قد حان وقتها بالنسبة لنا حينئذٍ، ولم يكن ذلك ضروريا للشعب الكردي في حينه، ولم يكن له أن يخوض معركة الصراع الطبقي وهو يئن من القوانين المرسومة لإزالته من قبل المحتل؛ فكان بحاجة إلى التعاضد والتكاتف في صراعه مع الحكومات المحتلة لأراضيه. فجرّ الشعب إلى أي نوع من هذا الصراع يعني إحداث الانشقاقات الداخلية فيه والمستفيد من هذا هو المحتل بعينه. والتي لو طبقت في الواقع الكوردي لاستفاد فلاحونا منها دون الخوض في نتائجها المجتمعية، لكنها ليست فقط لم تطبق بل بالعكس تم ترويج وباء فكري، في منطقتنا والتي كانت بمجملها تعاني من ويلات الفقر والعوز، فكما نعلم تبعاتها كانت كارثية، وكان مرسوما نجاح هذا المخطط التدميري خلال عقدين من الزمن لكنهم تمكنوا منه خلال أقل من 15 سنة، ظهرت نتائجها في نهاية الستينات وبداية السبعينات، ومن هم في مرحلتي العمرية يتذكرون ما نحن بصدده، وكيف أصبح المجتمع الكوردي في شبه تآكل داخلي، بلغت في البداية، وقبل أن يتم الانتباه إليه وتداركه من قبل الشعب عامة، درجة كانت أجواء القرى بائسة وكأنها في حالة حرب أهلية صامته، لكننا كما ذكرنا سابقا نحن الأطفال لم نتأثر بها، وللأسف كان للحزب الشيوعي دور في تأجيج النزاعات بين شرائح الشعب.
فالذي جرى من أثّر على وحدة الشعب فأضعفه، وبطبيعة الحال، كان النصيب الأكبر من هذا الضعف لحراكه بشكل عام. وهذا ما يعيب على طليعة الحراك التي انجرّت إلى هذا المستنقع والذي ما زال بعض أثاره باقية إلى يومنا هذا، لكن بوجه آخر. وهنا لسنا بصدد خوض غماره، ربما نعود إليها في وقت ما، عند الحديث عن تلك الحقبة من هذه الناحية.
لا يمكن لأي باحث، في تلك الردهة من مسعانا لردّ الظلم الجائر علينا، إنكار معاناة مجتمعنا من القيّمين عليه، أو ما هو رائج بلهجتنا الدارجة الشكاية من الآغاوية، إلا أنها هي الأخرى كانت مستهدفة من قبل السلطة المحتلة، لكونها تشكل مصدرا من مصادر التمويل للحراك، وبالتالي في نهاية المطاف هو أيضا كردي. وغاية المحتل هو محوه من الوجود على أرضه، وأي كان من يكون؛ طالما أنه كردي، ليمرر له الاستحواذ عليها كحق مشروع لملكيتها دون أن يرقى إليه أي شك.
يتبع…
الولايات المتحدة الأمريكية
12/2/2024م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…