Mizgefta Qasimo « جاميا قاسمو »

إبراهيم محمود
” Mizgefta Qasimo” أو ” جاميا قاسمو ” أو ” بالعربية الفصيحة : جامع قاسمو “. اسم يتجاوز اسمه، في مسماه ما يرفع من شأن قاسمو الكردي البسيط. لا كردي في جغرافية قامشلو يجهل أين يقع جاميا قاسمو، على الأقل موقعاً، ومن يكون قاسمو نفسه. لا كردي يجهل مقام جاميا قاسمو، على الأقل في حلبة التجاذبات الكردية، حيث ينفتح كل من الداخل والخارج على بعضهما بعضاً. حيث الشارع – الطريق الذي يأتي من جهة الشرق إلى الغرب صوب عامودا،شماله، وحوله بعض من محلات” محال ” من بعض أمّة المجزءين، المنقسمين على بعضهم بعضاً، أمة الألف ثورة والألف حسرة، يشهد بالعين المديدة المجردة بشهود المكان العيانيين، على الشهرة المصادق عليها له.
أتحدث عن لحظة تاريخية أمام البوابة الكبيرة ذات الدلالة لجاميا قاسمو، في توقيت جليل!
لا كردي ينسى ما لجاميا قاسمو من مكانة تعبوية سامية في نفوس الكرد الذين قيّض لهم أن يتوحدوا في مواجهة عنف النظام على خلفية من واقعة ” الملعب البلدي، 12 آذار 2004 ” ويكون لسقوط ضحايا كرد برصاص قمع النظام العنصري شهداء ومصابين ومطاردين في جهات شتى، لون الرعد الذي يخصب الغيم، والغيم الذي يخصب الأرض بالمنتظَر طويلاً. ليكون تجمع كرد أدركوا أنه في يوم معلوم كهذا، على خلفية يوم كذاك اليوم ” السبت، الحادية عشرة صباحاً، 13 آذار 2004 ” إقراراً بتاريخ لا بد أن يدوَّن، إشعاراً بأن هناك شعباً ليس ركام تاريخ ولا حطام أنظمة متهالكة، ولا مجهول اسم مجرور وراء معلوم اسم منخور” نظامياً ” إنما شعب مأخوذا باسمه، مرفوع المقام، لا مكسوره، في بعض جميل منه، وفي مشهد يستحق التقدير والافتخار بلحظته، وهو يتهيأ للسير الحضاري صوب مقبرة ” قدور بك ” استعداداً لدفن الضحايا الشهداء الكرد، رغم أنف جلاوزة النظام، وعسسه وأذيال عسسه على طرفي الشارع .
كرد، انخرطوا بوعي كردستاني في تلك اللحظة المجيدة في نهر التاريخ الصاعد باسمهم، غير عابئين لا بالنظام ولا بالممكن حدوثه أو وقوعه تصريفاً لنظام يرفض من يقول له ” لا ” للطغيان “، لا ” للتهميش ” لا ” للعنصرية ” نعم ” للديمقراطية ” نعم ” للحرية “، نعم ” للمساواة “..
سألازم المكان المقابل لجاميا قاسمو في هذا المقال، وأشدد على كثافة اللحظة، وإمكان سبر روعتها في التعبير عن قهر تراكم طويلاً طويلاً، عن حرية كانت تتنفس داخل الكردي في صمت، ولتعلِم بمقامها، بسويتها في التصريح الفصيح أن ما مضى لن يعود كما كان .
جاميا قاسمو كان يتكلم الكردية السلمية، الكردية التي أرادت أن تعلِم العالم أجمع أن ثمة مكاناً لا يُسمى يسكنه الكردي منذ زمان طويل، أن ثمة لغة يتكلمها الكردي منذ كان، لغته الأم: الكردية، أن ثمة هوية يعيشها الكردي لم تستعر من أي طرف آخر: كرديته، أن ثمة مطلباً بسيطاً يلح الكردي على تفعيله تاريخياً وجغرافياً: كينونته الواجب الاعتراف بها قانونياً، أن ثمة جريمة مرتكبة بناء على أي معيار إنساني كان، نالت من شعب بكامله، ومن قبل مجيشين باللاإنساني في نفوسهم، بشراذمة في القول والفعل، يحملون بصمة النظام ويتحركون باسمه، لا بد من محاسبتهم، ليستحق النظام أن يسمى بنظام دولة، والدولة دولة مجتمع سوي في الصميم.
لجاميا قاسمو تلك اللحظة التاريخية التي تمتد إلى الغد، وتضيء ذاكرة الكردي الذي ترجم كرديته إلى فعل، كبيراً أو صغيراً، رجلاً أم امرأة، دون أن يعبأ بما يمكن أن يحصل. يا للسور الجسدي الموحد، النهري الذي يمم شطر قلب قامشلو وأمام مرأى من حماة النظام وبغاته وجُنَاته، ماضين إلى آخر قامشلو، كما لو أنهم بعنفوانهم ذاك، رفعوا عقدهم الاجتماعي القومي المنتظر عالياً.
جاميا قاسمو الذي يعترَف بكرديته، نظير تلك اللحظة التي لا تُنسى، مثل انعطاف تاريخ، وفي الوقت نفسه شاهداً على من تجنبوا السير في النهر الكردي الصاعد بصوته وهويته، ومن انزووا هنا وهناك، ومن كانوا يعبّرون عن سخرية تترجم جبنهم وهشاشتهم، بزعم أن الذي يحدث مسرحية لامعقولة، ولكنه الحدث الأكثر نبلاً، الأجمل حراكاً، والأعظم تأكيد ذات .
جاميا قاسمو تأريخٌ، وأنا أحتفظ بصورته، وكيف كان الجمع الواعي لواجبه، وكنت ضمناً وفي الوقت نفسه، أتابع ما يجري، وأشعرني كائناً من لحم ودم، ويدرك من يكون، ويُضاء بالتاريخ !
جاميا قاسمو، الذي يُحتفَظ بلحظته، لا ذنب له، أن جرى تفكيكه كردياً، وإخراجه من لحظته تلك، لينطوي على نفسه، كما لو أنه يتمنى ألا يكون جاميا قاسمو في سياق ما حدث تالياً، ليعود الكردي، بالكردي، وفي الكردي، إلى ما كان أشد انقساماً على نفسه، أبأس حالاً في اسمه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…