الكورد في سوريا.. متاهات الهدف والموقف

عزالدين ملا
   القضية الكوردية لم تبقَ حبيسة خلف الأبواب الموصدة، بل خرجت فوق سطح طاولة المصالح والمقايضات الدولية، كما تعدُّ من القضايا الشائكة والمعقدة عالمياً لارتباطها بعدة اتجاهات ومحاور إقليمية ودولية، وكونها قضية سياسية أكثر ما أن تكون قضية أمنية، فهي مرتبطة بالمقايضات السياسية لقوى عالمية كبرى، وموقع الشعب الكوردي الجيوسياسي يجعل منها ذات أهمية مصالحية تدخل في خدمة التوازنات بين تلك القوى ومقايضاتها، وستكون الاستقرار المستقبلي لمنطقة الشرق الأوسط سياسياً بالاستقرار السياسي للقضية الكوردية بشكل عام.
  القضية الكوردية في سوريا اخذت منحى تفاضلياً مستقيماً، طفى على سطح المطالبة بالحقوق القومية والوطنية للشعب الكوردي ضمن الخصوصية السورية، وهي القضية الأهم لاستقرار سوريا القادم.

 

بدايات الحراك السياسي الكوردي في سوريا 
 منذ أن خاض الكورد في غربي كوردستان غمار النضال الوطني والقومي ضمن هيكل سياسي في خمسينيات القرن الماضي، والدخول في الحراك والنضال السياسي خلال النصف الثاني من ذاك القرن، لم تتعدّ تحركاته أبعد من مناطقه، ورغم ذلك خطا في اتجاهين متناقضين: الاتجاه الأول الإيجابي، عند متابعته لنضال البارزانيين إبان ثوراتهم المتلاحقة وخاصة ثورة أيلول وقائدها الملا مصطفى البارزاني، أيقظ الشعب الكوردي في سوريا من غفوته وعرَّفه بهويته الكوردية وحقوقه المشروعة، والاتجاه الآخر السلبي تعرُّض حركته إلى انتكاسات وانشقاقات، وكان الانشقاق الأول عندما انقسم أول حزب كوردي إلى يمين ويسار، اتجاهين متناقضين لموازين القوى العالمية بين الاشتراكية من جهة والديمقراطية والرأسمالية من جهة أخرى آنذاك، ومن ثم تتالت الانشقاقات وولادة أحزاب من رحم نيات شخصية ومصالحية، وقد تكون لجهات أمنية اليد الطولى في شرذمتها.
الانفتاحات الخجولة للكورد في غربي كوردستان
كانت أولى الانفتاحات الكوردية في سوريا خارج نطاق دائرتهم الكوردية، عند وصول ثلاثة نواب كورد إلى قبة البرلمان السوري، أما في اتجاه التحالفات عندما تم تشكيل جسم تحت مسمى اعلان دمشق، وكان يضم في طياته معارضين للنظام من كافة المكونات، ورغم ذلك لم تكن بالمستوى المطلوب، ولكن على خجل تلك الخطوة كانت بداية تنفس الكورد السوريين في النضال السياسي السوري.
أما الانتفاضة الكوردية عام 2004 فلم تنسب إلى الحركة الكوردية في بدايتها، بل كانت مسجّلة للحراك الشبابي والشعبي، توحد الشعب، وهزت أركان النظام، وأرهبت ذيوله، وفي المقابل وحّدت الحركة السياسية الكوردية ضمن مظلة واحدة ذات هدف وموقف واحد، وكانت هذه الخطوة الثانية نحو الانفتاح الأوسع وصلت صداها إلى خارج حدود سوريا، وألهبت الشباب الكورد أمام السفارات السورية، مظاهرات ولافتات تطالب بمحاسبة النظام المجرم. وكانت الفترة الواقعة بين عامي 2004  و 2011، فترة إعادة الترتيب، حيث ظهر شباب ذوو عقلية متفتحة، وخاصة عند دخولهم في غمار وسائل التواصل الاجتماعي الذي بدأت بالولوج إلى سوريا بشكل تدريجي، ونقلوا نضالهم إلى محاكاة المجتمع الدولي من خلال المواقع الإلكترونية والمنصات الأخرى.
الكورد والتفاعل الثوري السوري
عند بدء الثورة السورية في آذار 2011، كان الشباب الكورد التواقون إلى الحرية والديمقراطية الأوائل المنضمين إلى صفوفها ولبّوا نداء الكرامة إلى جانب إخوتهم العرب في درعا، أما الحركة الكوردية فكانت كعادتها مترددة، ولم تنضم إلى الثورة إلا بعد عدة شهور، بعد أن أدركت أن رياح التغيير ستطيح بمن لم يستند إلى مسند الأمان، حيث بدأت بلملمة أطرافها، وشكَّلت جسماً جامعاً تحت يافطة المجلس الوطني الكُردي، وكانت انطلاقة موفقة، حيث وقف المجلس إلى جانب الثورة والمعارضة ضد النظام، وبدأ بتشكيل مكاتب وهيئات ومجالس في جميع المناطق الكُردية، تنفس الشعب الكُردي الصعداء، وارتفعت معنوياته وعلا صوته في المطالبة بسوريا ديمقراطية اتحادية تعددية لا مركزية.
الانشقاقات والتشرذم الكوردي السوري
ولكن هذا الحماس والعنفوان لم يستمرْ، فقد بدأت التشققات بالحدوث، وازداد عدد الأحزاب الكوردية يوماً بعد، ونتيجة خلافات مصلحية وشخصية بدأت الانسحابات من المجلس، وظهر طرف آخر تحت اسم مجلس غربي كوردستان، وبذلك بدأت التحركات السياسية الكوردية في اتجاهين متناقضين، طرف يطالب بالحقوق القومية والوطنية الكوردية في سوريا، وطرف آخر يطالب بالأمة الديمقراطية، بين هذا وذاك تاه الشعب الكوردي وضاع في متاهات المطالبة بالحقوق من جهة والبحث عن الأمن والاستقرار من جهة أخرى.
الأرضية مازالت خصبة في سوريا
إن الوضع السوري مازال يراهن على أبعاد واتجاهات أخرى، والوضع الكوردي مرتبط بشكل أو آخر بالوضع السوري، ومازال أفق الحلول للقضية السورية ضبابياً، وأي حلحلة لها لن تكون بمعزل عن القضية الكوردية السورية.
مازال الطريق مفتوحاً أمام الشعب الكوردي في سوريا لخلق أرضية ملائمة للمرحلة الحالية واللاحقة، وكذلك المكونات الأخرى المتعايشة معه.
  الحاجة إلى الرغبة والنية، والعمل على وضع نقاط التقارب ودفعها نحو توحيد الجهود والطاقات لـ لململة ما تبقى من جراحات الشعب الكوردي والشعوب السورية جمعاء من أجل البناء حتى ولو في حدوده الدنيا، المعاناة كبيرة والجرح عظيم لا يمكن تجاوزها إلا بالتكاتف والتعاضد والاحساس بالمسؤولية حتى نستطيع تجاوز هذه المحنة، والوصول إلى ما نصبو إليه بسوريا المستقبل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس خسارة غربي كوردستان ليست المأساة الأكبر، لماذا بقيت كوردستان غائبة عن العالم؟ تناولتُ في الجزء الأول العوامل الداخلية والخارجية التي أدت إلى تآكل تجربة غربي كوردستان، من أخطاء الإدارة الذاتية والانقسام الكوردي، إلى الاجتياحات الإقليمية وتقلب المصالح الدولية. لكن الوقوف عند خسارة هذه التجربة وحدها قد يحجب السؤال الأكبر: لماذا تبقى كل تجربة كوردية عرضة للعزلة والتراجع؟…

تداولت بعض المنصات المؤدلجة ووسائل التواصل الاجتماعي المرتبطة بها خبر مفاده انني عارضت تعليم اللغة الكردية في المدارس في المناطق الكردية حين لقاء وفد البرلمانيين الكرد مع السيد وزير التربية والحقيقة هي كانت كالتالي أنا اقترحت ان نعمل على مسارين بنفس الوقت هما الحفاظ على اللغة الكردية وتطويرها بين الطلبة مع الحفاظ على مستوى تعليم متقدم ومتطور ولتحقيق الهدفين معا…

حسن قاسم تمر الحركة السياسية الكوردية في سوريا بمرحلة تختلف جذرياً عن المراحل السابقة، سواء من حيث طبيعة التحولات الإقليمية والدولية أو من حيث المتغيرات الداخلية في سوريا. ومن هنا، فإن استمرار العمل بالأساليب التقليدية لم يعد كافياً لمواجهة التحديات الراهنة، بل قد يؤدي إلى مزيد من التراجع وفقدان فرص التأثير. أول ما ينبغي الإقرار به هو أن المرحلة قد…

تنكزار ماريني بداية اعتذر لكل القراء وخاصة قراء كتاباتي وقراء الأخ ابراهيم اليوسف على الكتابات التي كنت ارد فيها على كتاباته. برأيي انها تدخل في بوتقة المدح الشخصي وعرض العضلات وخلق عداوات وهمية وأنا بغنى عن ذلك. أخي سالار واستاذي رزو لم يعلمانني هكذا فاعتذر لهما على مابدى مني وأعلم أن مهمتي تقديم مادة للقارئ ليحولها الى سؤال وليس الكتابة…